Status             Fa   Ar   Tu   Ku   En   De   Sv   It   Fr   Sp  
   

الدولة في المراحل الثورية


هذا المقال هو نص البحث الذي قدمه الكاتب في إحدى الندوات الداخلية الحزبية بعد إجراء بعض التعديلات والإضافات. دورية بسوى سوسياليسم

موضوع البحث الحالي هو "الدولة في المراحل الثورية". وتحت هذا العنوان سنتطرق الى أحد جوانب النظرية الماركسية حول الدولة، أو بعبارة أخرى المنهج الماركسي في تعامله مع ظاهرة الدولة والذي يضيع ويتم تناسيه عادةً في ظل جملة من الأحكام الكليشية حول الدولة. وبعد الطرح العام للقضية، ستتم الإشارة فيما بعد بشكل أكثر تحديداً الى المواضيع التالية كنماذج لتطبيق هذا المنهج. أولاً: قضية الجمهورية الثورية في برنامج الحزب الشيوعي. ثانياً: الموقف من الجمهورية الإسلامية، حيث سيتم التأكيد المجدد في البحث الراهن على بعض النقاط التي تمت مناقشتها سابقاً في مقال "جناحان في الثورة البرجوازية-الإمبريالية المضادة". ثالثاً وأخيراً: الدولة في الثورة البروليتارية وقضية دكتاتورية البروليتاريا.

   
الدولة في المراحل الثورية

النظرية الماركسية حول الدولة و"المراحل الانتقالية"


لقد صار جزءاً من الفهم العام أن الدولة من منظار الماركسية هي أداة السلطة والسيادة الطبقية للطبقة السائدة اقتصادياً. الدولة هي وسيلة إخضاع الطبقات المضطَهدة والمستغَلة وحماية علاقات الملكية والإنتاج الموجودة من هجمات الطبقات المضطَهدة. وفي كتاب "الدولة والثورة" يبدأ لينين بإيراد نصوص مفصلة نسبياً مباشرةً من آثار ماركس وانجلز ليوضح كيف أن الدولة وبعكس الأوهام التي تشيعها البرجوازية ليست ظاهرة فوق الطبقات والمجتمع مهمتها "تنظيم" العلاقات الطبقية وتمثيل "المصالح العامة". فالدولة وعلى الرغم من التصورات الشائعة في المجتمع البرجوازي، هي الممثل لمصالح طبقية معينة والمدافع عنها، أي مصالح الطبقة السائدة اقتصادياً. وقد كان ظهور الدولة متزامناً في الأساس مع ظهور الاستغلال، والتقسيم الطبقي للمجتمع والتناقضات والصراعات الطبقية.

وكما قلت فان هذه النقاط هي اليوم جزء من البديهيات ولن أقوم هنا بتوضيحها أكثر، خصوصاً وأن بحثي هو في الأساس في انتقاد التعميم الميكانيكي والكليشي لهذه التعريفات على مجمل تفاصيل عملية التكامل التاريخي للمجتمع وخصوصاً على "المراحل الثورية".

ومن النظرة الأولى يبدو واضحاً أن التعريفات الماركسية الوارد ذكرها فيما تقدم عن الدولة تأخذ بنظر الاعتبار الحركة الروتينية للمجتمع. فهذا التعريف والتحليل للدولة في الأوضاع "الروتينية"، أي المراحل التي لا يكون فيها المجتمع بصدد التحول الثوري. وأذكِّر أن المادية التاريخية ليست الجمع العددي لخمسة تصورات جامدة عن خمسة أنماط إنتاجية "تقليدية" (المشاعية البدائية، العبودية، الإقطاعية،الرأسمالية، والشيوعية). هذا في الواقع هو مسخ وتشويه ميكانيكي للمادية التاريخية من قبل التحريفيين. فمادية ماركس التاريخية ليست فقط تحليل أساليب الإنتاج المختلفة وإعلان إحلال بعضها محل البعض الآخر في مسار تاريخي متتابع، بل تشتمل أيضاً على تحليل ديناميكية مسار التحول هذا وخصائص مراحل التحول أيضاً. كيف تحل أساليب الإنتاج هذه وبأية عملية تاريخية محل بعضها البعض؟ لو أخذنا هذه الديناميكية بنظر الاعتبار، حينذاك سندرك أن جزءاً أساسياً من التفسير المادي للتاريخ، هو فهم خصائص المراحل الانتقالية، مراحل التحول، بين العلاقات الإنتاجية التي تشكل كل واحدة منها لمراحل طويلة الشكل التقليدي والمعاد إنتاجه للنشاط الاقتصادي والحياة الاجتماعية للبشر. بعبارة أخرى فان أساليب الإنتاج لا تترك محلها لبعضها البعض بشكل مفاجئ وبدون مقدمات. فلا الإقطاعية تترك مكانها للرأسمالية بشكل مفاجئ وبدون مقدمات ولا الشيوعية ستحل محل الرأسمالية بنفس الشكل. تحليل المراحل الانتقالية ومراحل التحول الثوري في المجتمع، هي بنفس الدرجة جزء من الرؤية المادية للتاريخ حالها حال تحليل الأنماط التقليدية للإنتاج وإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية للبشر. وقد طرح ماركس هذا الموضوع بشكل واضح في "مقدمة في نقد الاقتصاد السياسي":

"في مرحلة معينة من تطورها تتناقض قوى الإنتاج المادي للمجتمع مع العلاقات الإنتاجية القائمة أو بعبارة أخرى (حيث أن هذا هو التعبير الحقوقي لنفس الأمر) مع علاقات الملكية التي سبق وأن عملت تلك القوى في إطارها. وستتحول (هذه العلاقات الموجودة) من إطار لنمو قوى الإنتاج الى عقبة في طريقها، حينذاك ستبدأ مرحلة من الثورة الاجتماعية"

وسأشير فيما بعد أنني أستخدم طوال هذا البحث مفهوم "المراحل الثورية" بمعناه المحدود وليس للدلالة على كل مراحل التحول الثوري للمجتمع، أي المرحل الانتقالية التي يشير إليها ماركس. ولكنني في الحقيقة آخذ بنظر الاعتبار نفس المعنى الأوسع ونعود مجددً الى الصيغة الواردة سابقاً لتعريف الدولة. فهل بالإمكان استخدام هذا التعريف بنفس الشكل لتوصيف خصائص وماهية الدول (كل الدول) طوال هذه المراحل الثورية؟ بعبارة أخرى هل تتطابق صيغة "الدولة هي أداة سيادة الطبقة السائدة اقتصادياً" مع خصائص ومشخصات المراحل الانتقالية الثورية؟ بالضرورة، كلا. فموقف الفوضويين من دكتاتورية البروليتاريا وكذلك موقف منظمات من مثل الوحدة الشيوعية إزاء مقولة الجمهورية الثورية، هي النماذج الحية للمأزق النظري لأشخاص لم يتعلموا من الموقف الماركسي إزاء الدولة سوى صيغة واحدة يكررونها في كل الظروف والأوضاع.

دكتاتورية البروليتاريا، على سبيل المثال، هي دولة مرحلة انتقالية. ولكن هل أن دكتاتورية البروليتاريا هي دولة طبقة سائدة اقتصادياً؟ من الواضح أن الأمر ليس بهذا الشكل. إنها دولة طبقة انتفضت على الطبقة المستغِلة المسيطرة على الإنتاج. دكتاتورية البروليتاريا لا تستند منذ البداية على اقتصاد المجتمع القائم، وليست ممثلة لطبقة سائدة اقتصادياً على الطبقات الأخرى. بل أن الأمر بالعكس تماماً، فهي دولة ضد الاقتصاد القائم. وفي الواقع فان هذه الدولة تعجز تماماً حتى في مستقبلها عن التحول الى أداة سيادة طبقة في علاقات اقتصادية طبقية محددة. فالثورة الاشتراكية هي ثورة ضد الطابع الطبقي للمجتمع والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وضد الاستغلال الطبقي نفسه. والاقتصاد الجديد الذي يكون حصيلة هذه الثورة مرادف لنفي فلسفة وجود الدولة بشكل عام. الثورة الاشتراكية هي ثورة ستقضي على الدولة بالتزامن مع القضاء على التقسيم الطبقي للمجتمع أيضاً.

ولكن إذا لم تكن دكتاتورية البروليتاريا أداة الحفاظ على علاقات الإنتاج الطبقية القائمة الآن، إذا لم يكن مقرراً أن تكون هذه الدكتاتورية بناءاً فوقياً سياسياً متطابقاً مع ملكية طبقة معينة لوسائل الإنتاج، إذن ما هي فلسفة وجودها؟ أو بعبارة أخرى كيف يوضح "التحليل الماركسي" للدولة دكتاتورية البروليتاريا.

إن قسماً مهماً من كتاب لينين الدولة والثورة يختص بالجدال مع التصورات الفوضوية التي ترفع قامتها ضد دكتاتورية البروليتاريا بفهم ميكانيكي وميتافيزيقي عن حركة المجتمع التاريخية، وبالعجز عن تعميق فهمها للدولة أكثر من تعريف "الدولة التقليدية". فإذا كانت الثورة الاشتراكية مرادفة لزوال الطبقات ومن ثم الدولة، وإذن ما هو دور دكتاتورية البروليتاريا في هذه الأثناء؟ وهنا يكشف لينين النقاب عن "جانب آخر" من النظرية الماركسية حول الدولة. فدولة دكتاتورية البروليتاريا لا تُستنتج من "الاقتصاد" بحد ذاته، بل من السياسة ومن الصراع الطبقي، وهذا هو محور التحليل الماركسي للدولة في المراحل الثورية:

"في البيان الشيوعي يتم طرح تصور شامل عن التاريخ يضطر الإنسان للنظر الى الدولة بمثابة هيئة السيادة الطبقية وهذا ما يوصله بالضرورة إلى هذه النتيجة وهي أن البروليتاريا تعجز عن إسقاط البرجوازية إلا إذا أمسكت في البداية بزمام السلطة السياسية واستبدلت الدولة بـ"البروليتاريا المنظمة بمثابة طبقة سائدة"؛ وستتجه هذه الدولة البروليتارية مباشرة بعد الانتصار نحو الاضمحلال والزوال، لأن في المجتمع الخالي من التناقضات والتضاد الطبقي ليس هناك من ضرورة للدولة وتعجز عن البقاء والوجود. وهنا لم تطرح هذه القضية وهي كيف يتم من ناحية التطور التاريخي استبدال الدولة البرجوازية بالدولة البروليتارية"
(الدولة والثورة/المجلد ٢٥ من مجموعة الاعمال الكاملة باللغة الإنجليزية، الصفحة ٤١١)

وهنا يوجه لينين اهتمامه صوب تلك الفترة من تاريخ البشر التي تبدو في "تصور شامل" عن التاريخ كـ"نقطة"، كموضع لالتقاء نظامين، كمقطع لاستبدال دولتين موقعيهما. وهذه هي المراحل الانتقالية بعينها. وتتمتع هذه المراحل بأهمية بالغة في التحول التاريخي. ففي هذه المراحل، أي طوال العملية الطويلة نسبيا لاستبدال نظامين أحدهما بصدد التغير والآخر الذي ما زال لم يقم بعد، أية ظاهرة هي الدولة؟ هذا هو الجانب من النظرية الماركسية حول الدولة الذي يتم نسيانه وإهماله في المنظومة الميكانيكي للتحريفية، وتبعاً لذلك لدى القسم الأعظم من اليسار في إيران:

"إن شخصاً استوعب تعاليم ماركس حول الدولة هو الذي يكون مدركاً أن دكتاتورية طبقة معينة ضرورية ليس فقط لكل مجتمع طبقي بصورة عامة،.. بل وحتى أيضاً لمراحل تاريخية كاملة تفصل الرأسمالية عن "المجتمع الخالي من الطبقات" أي الشيوعية. فقط تنوعت أشكال الدولة البرجوازية بشكل استثنائي ولكن جوهرها يظل واحداً. وأياً كان شكل تلك الدول إلا أنها في جوهر الأمر تمثل حتماً دكتاتورية البرجوازية. وبالتأكيد ستنتج مراحل الانتقال من الرأسمالية الى الشيوعية أشكالاً سياسية متنوعة ومختلفة، إلا أن ماهيتها ستكون شيئاً واحداً، ألا وهي دكتاتورية البروليتاريا"
(المصدر السابق،ص ٤١٨، التأكيد في النص الأصلي)

دكتاتورية البروليتاريا هي الدولة المتناسبة مع تلك "المراحل التاريخية" المحددة، أي المراحل الانتقالية الثورية. دكتاتورية البروليتاريا هي دولة ضد الاقتصاد الرأسمالي وهي في نفس الوقت دولة ليست متطابقة مع الاقتصاد الشيوعي لأن هذا الاقتصاد الجديد لا يستند على التقسيم الطبقي ومن ثم هو ليس بحاجة الى الدولة بمثابة قوة قمع وإخضاع. هذه الدولة، هي الدولة الفاصلة للتاريخ بين هذين "الاقتصادين" ولذلك تكتسب ضرورتها وفلسفة وجودها وخصائصها لا من الاقتصاد والبنية التحتية الاقتصادية مباشرةً، بل من مكان آخر: من الثورة، من الصراع الطبقي الذي يتحول الى المسار الأساسي والحاسم للعلاقات المتضادة للطبقات الاجتماعية طوال مرحلة التحول الثوري. دكتاتورية البروليتاريا هي دكتاتورية، ولكنها ليست من أجل الحفاظ على علاقات إنتاجية وطبقية محددة وقائمة، بل من أجل إحباط المقاومة المضادة للتغيير الثوري لتلك العلاقات:

"الدولة (قوة خاصة من أجل القمع).. ..ولكن ما يُستنتج من هذا التعريف هو "قوة خاصة لقمع" البروليتاريا بيد البرجوازية، وينبغي استبدال قمع ملايين الكادحين من قبل المتسلط بـ"القوة الخاصة لقمع" البرجوازية بيد البروليتاريا (أي دكتاتورية البروليتاريا). وهذا يعني أيضاً (زوال الدولة بوصفها دولة). ويعني "الإقدام" على تملك وسائل الإنتاج باسم المجتمع، ومن الواضح أن مثل هكذا استبدال لـ"قوة خاصة" (البرجوازية) بـ"قوة خاصة" أخرى (البروليتاريا) لا يمكن أن يتحقق بصورة "اضمحلال"
(نفس المصدر، ص ٤٠٢)

"الدولة هي منظمة خاصة للقمع: الدولة تنظيم ممارسة العنف لقمع طبقة معينة. ولكن أية طبقة على البروليتاريا أن تقمعها. بالطبع ويبدو بديهياً أنها الطبقة المستغِلة، أي البرجوازية. إن الكادحين بحاجة للدولة فقط من أجل قمع مقاومة المستغِلين، وبإمكان الطبقة العاملة فقط قيادة وتحقيق هذا القمع
(نفس المصدر، الصفحة٤٠٧)

وهنا نواجه مفهوماً أعم لمقولة الدولة، وهو في نفس الوقت أكثر بساطة وأشمل. الدولة "قوة قمع خاصة" للقمع الطبقي. وهذه هي الخاصية المشتركة لكل دولة، سواء كانت دولة تقليدية أو دولة مرحلة انتقالية. ففي الأوضاع الروتينية حيث يجري إنتاج وإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية للبشر ضمن إطار علاقات إنتاجية معينة أو بعبارة أبسط يكون "الاقتصاد" المحور الحاسم في العلاقات والتأثيرات المتبادلة للطبقات الاجتماعية، تمارس الدولة دورها القمعي في الأساس ارتباطاً بالحفاظ على العلاقات الإنتاجية الموجودة في خدمة الطبقة السائدة اقتصادياً. ولكن في المراحل الانتقالية فان هذا لا يشكل العنصر الحاسم في تحليل الدولة، لأن تناقضات العلاقات الاقتصادية القائمة، هي بحد ذاتها تطرح عاملاً جديداً في العلاقات بين الطبقات يسلط الضوء على كل شيء، أي الثورة وصراع الثورة والثورة المضادة. وهنا تشكل الدولة وسيلة لحسم هذه القضية. إن الدولة في المراحل الانتقالية تعمل بمثابة دولة بالقدر الذي يتم استخدامها فيه كوسيلة لحسم وتحديد مصير هذه القضية، أي الثورة. وهنا فان الدولة لا تشكل أداة سياسية للحفاظ على السيادة الاقتصادية، بل أداة سياسية للحفاظ على أو ترسيخ السيادة السياسية. وإذا كان ظهور الدولة قد تبلور تاريخياً مع ظهور تراكم الثروة والاستغلال، إذا كانت الدولة في مجتمع روتيني، في مجتمع "في حالة إنتاج" ضمانة تأمين السلطة الاقتصادية، فإنها في المراحل الانتقالية ترتبط مباشرة بالصراع الطبقي المتنامي لدرجة الثورة. ويبين لينين بوضوح ضرورة دكتاتورية البروليتاريا:

"حين تطبق نظرية الصراع الطبقي من قبل ماركس في قضية الدولة والثورة الاشتراكية، فإنها تقود بالضرورة الى القول بالسلطة السياسية للبروليتاريا، القول بدكتاتوريتها...إسقاط البرجوازية هو الخطوة العملية التي تجعل من البروليتاريا طبقة حاكمة قادرة على هزيمة المقاومة الحتمية والضروس للبرجوازية وتؤدي بها لأن تنظم كافة الجماهير الكادحة والمستغَلة من أجل النظام الاقتصادي الجديد"
نفس المصدر، الصفحة ٤٠٩)

ويجد الانتهازيون والفوضويون كلاهما أن الثورة البروليتارية تتناقض مع إقامة الدولة الدكتاتورية. فبالنسبة لأحدهما كان يجب أن تكون الثورة البروليتارية المبشر بـ"الديمقراطية" وإنهاء كل شكل من أشكال الدكتاتورية، وبالنسبة للآخر كانت الثورة البروليتارية مرادفة لزوال الدولة. وعجز كل من هذين التيارين عن إدراك خصائص المراحل الثورية، المراحل الانتقالية، وخصائص الدولة في هذه المراحل. ويربط لينين بوضوح دولة المراحل الانتقالية الثورية مباشرة بالثورة نفسها، بالحدث الذي ينتزع "مؤقتاً" البشر من مكانتهم الاقتصادية التقليدية ومن علاقاتهم الروتينية ببعضهم البعض في الإنتاج الاجتماعي ويضعهم في مواجهة صريحة وعنيفة. في المراحل الثورية أما أن تكون الدولة وسيلة تقدم الثورة أو وسيلة توقفها. دكتاتورية البروليتاريا ضرورية ليس من جانب أن العلاقات الإنتاجية الجديدة قد ظهرت الى الوجود وهي بحاجة لبنية فوقية سياسية تتناسب وتتطابق معها ومن ثم دولة تتطابق وتتناسب معها، بل من جانب أن البرجوازية تقاوم حتى النفس الأخير. الدولة الآن مثل الحزب، مثل الجيش الثوري والمليشيا الجماهيرية وسيلة للتقدم في قضية النضال الثوري وتغيير توازن القوى السياسية. ولهذا ليس من المناسب استخدام خصائص الدولة "التقليدية" لتوصيف دولة المراحل الانتقالية. وهذا الحكم ينطبق على دولة الطبقات الثورية وأيضاً على الدول الرجعية البرجوازية.

لقد كشفت الأقسام المختلفة من اليسار الإيراني، سواء طوال ثورة ١٩٧٩ وحتى اليوم أيضاً، عن عجزها في فهم هذه النقطة، في تحليل الدولة البرجوازية الحاكمة. فقد تصورت أن عليها، في اتخاذ موقف "ماركسي" مقابل الجمهورية الإسلامية، أن تحلل "الأسس الاقتصادية الخاصة" لها ورأينا كيف أن هذه "الماركسية" شبه الأكاديمية كانت تحدد في كل فترة معينة واحدة من الشرائح الاجتماعية من قبيل "البرجوازية التجارية"، "البرجوازية الصغيرة التقليدية"، و"بقايا الإقطاعية" وغيرها وإعطائها ثقلاً ومكانةً في فهم دولة الجمهورية الإسلامية. لقد دخلت دولة الجمهورية الإسلامية الميدان بمثابة دولة البرجوازية في "المرحلة الثورية"، أي دولة البرجوازية المنظمة بصورة ثورة مضادة، لحسم مصير الثورة وقد أغلق اليسار الإيراني عيونه عن هذا المحتوى البرجوازي المكشوف للدولة وراح يتعقب الشرائح والفئات "الثانوية" في المجتمع في تفسير الخصائص الطبقية والممارسة السياسية للدولة. نحن اعتبرنا هذه الدولة، وبسبب دورها الحيوي بالنسبة لكل البرجوازية في مرحلة ثورة ١٩٧٩، دولة البرجوازية والبرجوازية-الإمبريالية. ولم تعجب "يساريتنا" هذه اليسار الإيراني، ومع هذا وبعد بضعة سنوات من ذلك وحين اتسعت مديات القتل والقمع لدرجة بحيث صار الآخرون على استعداد اعتبار الجمهورية البرجوازية برجوازية، وجدوا مجدداً مأخذاً علينا وهو لماذا استنتجنا الطابع البرجوازية للجمهورية الإسلامية من "السياسة" فقط ولم نفضحها بوصفها التنظيم السياسي لـ"الرأسمال الاحتكاري"! وفي كلا الحالتين، يشكل التفسير "الاقتصادي" للدولة محور تفكير اليسار الإيراني. في حين تشكل الدولة في المراحل الثورية المنظم للثورة المضادة بيد البرجوازية وأداة حيوية بيد البروليتاريا لتنظيم الثورة والتقدم بها. وعلى "الاقتصاد" انتظار تقرير مصير الثورة. إن شخصاً مدركاً لـ"جوهر النظرية الماركسية حول الدولة"، عليه فهم العلاقة المباشرة للدولة بالصراع الطبقي الظاهر. والالتصاق بـ"الاقتصاد"، في هذه المراحل، يبعد الشخص بوضوح عن الماركسية والفهم الماركسي.

إن نموذجاً آخر لهذا الفهم الميكانيكي والاقتصادي هو أسلوب تعامل منظمة (الوحدة الشيوعية) وموقفها من الدولة الديمقراطية الثورية (سواء في رؤيتنا أو في مواقف لينين في عام ١٩٠٥)، فهي تدعي بما أن "الدولة هي أداة بيد الطبقة السائدة اقتصادياً" على هذا الأساس فإن الدولة الديمقراطية الثورية هي مجرد يوتوبيا ذلك أن الاقتصاد مادام رأسمالياً، فإن هذه الدولة هي بالضرورة أداة بيد الطبقة "السائدة" اقتصادياً وإذا لم يكن الاقتصاد رأسمالياً، فإن هذا يستلزم الثورة الاشتراكية وتنتفي قضية الدولة الديمقراطية. ويهاجمون من هذا المنظار الثورة الديمقراطية والدولة الثورية ويفضلون البقاء في المعارضة مادام الاقتصاد رأسمالياً ويهاجمون لينين لأنه أبتدع فكرة الدكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين. دكتاتورية طبقتين غير ممكنة، ذلك أن "اقتصاد" طبقة واحدة على أية حال هو ما يحدد طابع الدولة! وهذا هو العجز عن فهم مفهوم الدولة في المراحل الثورية.

على أية حال سأتناول هذه النقاط فيما بعد بدقة أكثر. وفي هذه المقدمة من الضروري التذكير بالموضوعات التالية:

أولاً: المادية التاريخية لا تعني فقط معرفة تعدد أساليب الإنتاج، وقوانين عملها وتسلسلها التاريخي. بل إن جزءاً مهماً من المادية التاريخية، خصوصاً الجزء الذي يجد في العنصر الثوري طابعاً عملياً أكثر حسماً، هو تحليل المراحل الانتقالية الثورية الفاصلة بين أساليب الإنتاج هذه، أي كافة تلك المراحل الثورية التي تلازم هذه التحولات الجذرية. المراحل التي يظهر فيها البشر بقدرة أكبر في تقرير مصيرهم. هذا الجزء من المادية التاريخية، الذي اختص القسم الأساسي من كتابات ماركس وانجلز ولينين السياسية في تحليله، يختفي على الأغلب في فوضى التصنيفات التحريفية لـ"العلوم الاجتماعية". وتبتذل المادية التاريخية على يد هؤلاء الى سرد تاريخي ميتافيزيقي لتاريخ أساليب وأنماط الإنتاج.

ثانياً: بقدر تعلق الأمر بقضية الدولة، فإن للمراحل الانتقالية الثورية أهمية حاسمة. وهنا تتحول الدولة مباشرة الى وسيلة لحفظ أو كسب السلطة السياسية، بوصفه هدفاً آنياً مباشراً. لتحليل الدولة في هذه المرحلة، ينبغي العودة لا الى ميدان الاقتصاد، بل الى ميدان صراع الثورة والثورة المضادة بالدرجة الأساس. وتجد الدولة فلسفة وجودها في هذا الميدان ويقيّم طابعها الطبقي بهذا المعيار.

ثالثاً: لدولة المرحلة الانتقالية، وكذلك "الدولة الاعتيادية"، تعريف عام مشترك. الدولة قوة قمع خاصة للقمع الطبقي. الدولة "الاعتيادية"، أي الدولة في مجتمع في حالاته "الروتينية" وغير المتأزم، هي وسيلة الطبقة السائدة اقتصادياً وتتميز من هذه الناحية بجملة من الخصائص المحددة. أما الدولة في المرحلة الثورية فهي تجيب على قضية الثورة. حيث تشكل في يد البرجوازية أداة تنظيم القمع المضاد للثورة وتشكل في يد البروليتاريا والشرائح الثورية وسيلة تنظيم قوى القمع الثورية. وعلى أية حال تكتسب الدولة في هذه المرحلة خصائص جديدة وفي نفس الوقت تفقد جزءاً من ملامحها التقليدية والمألوفة، أي ممارساتها وأشكال وجودها في المراحل الروتينية غير المتأزمة.

رابعاً: النظرية الماركسية حول الدولة، لا تأخذ بنظر الاعتبار فقط الظروف العادية والمألوفة، بل تقدم فهماً واضحاً عن الدولة في المراحل الانتقالية، الدولة في المراحل الثورية بالمعنى الواسع للكلمة. علاوة على ذلك، بإمكان النظرية الماركسية حول الدولة أيضاً تحليل عملية تحول الدولة الاعتيادية والمألوفة الى دولة مرحلة ثورية وبالعكس، وفهم خصائص هذه العملية. ويشكل هذه جانباً من جوانب النظرية الماركسية حول الدولة الذي ينبغي اكتشافه في الكتابات السياسية للقادة الماركسيين، أي الكتابات التي كتبت بالدرجة الأساس في قلب الظروف الثورية.

   
الدولة في المراحل الثورية

المراحل الثورية بالمعنى الخاص للكلمة وقضية الدولة


إلا أننا هنا نضع نصب أعيننا مفهوماً عن "المراحل الثورية" أضيق نطاقاً من كل المراحل الانتقالية بين أسلوبين من أساليب الإنتاج. والمقصود هو مرحلة الثورة بالمعنى الخاص للكلمة. المرحلة التي يجري فيها الصراع الفعلي بصورة غليان ثوري حول السلطة السياسية، المرحلة التي "لا تريد فيها الطبقات الدنيا وتعجز فيها الطبقات العليا"، المرحلة التي تُجر الجماهير العريضة فيها للممارسة الثورية. وطوال المراحل الانتقالية لا يبقى مثل هذا الطابع سائداً على الدوام. ففي المراحل الثورية بالمعنى الخاص للكلمة مازال مصير السلطة السياسية غير محسوم. إما أن تكون الحكومة السابقة على وشك الانهيار تحت ضربات الثورة أو أن تكون الدولة الجديدة في حالة مواجهة لمحاولات الاطاحة بها واستعادة السلطة من قبل القوى المنهارة وغيرها. وطوال العملية الانتقالية كلها يوجد كل من المراحل الثورية وكذلك مراحل الاستقرار والهدوء على حد سواء. وبلا شك يمكن في الثورة الروسية اعتبار السنوات من ١٩١٧ الى ١٩٢٢ سنوات المرحلة الثورية بالمعنى الخاص للكلمة، في حين أن السنوات من ١٩٢٣ الى ١٩٢٨ مرحلة الاستقرار والهدوء النسبي حيث زالت الى حد ما المخاطر التي تواجه الدولة الجديدة، من دون أن تقوم دولة اعتياديةوراسخة، وتستند على أساس مصالح اقتصادية معينة وذات أساليب خاصة في الحكم. وبعبارة أخرى فإنني أميز المرحلة الثورية بالمعنى الخاص للكلمة عن كل المرحلة التي يخرج فيها المجتمع من الأزمة الثورية ويتخذ شكلاً متعارفاً عليه ويتحول فيه انتاج وإعادة انتاج الحياة الاجتماعية (بغض النظر عن العلاقات الانتاجية التي يجري في ظلها) الى الأساس الرئيسي للعلاقات المتبادلة بين طبقات المجتمع. والمرحلة الثورية بهذا المعنى المحدود يمكنها فقط أن تكون جزءاً من كل هذه العملية. وإذن ما هي سمات الدولة الخاصة بها في هذه المراحل الثورية بالمعنى الضيق للكلمة وما هي العومل التي تحدد مسارها؟

١- مثلما أشرنا فإن الدولة البرجوازية الاعتيادية (في هذا البحث نتناول فقط المراحل الثورية في العالم الرأسمالي المعاصر) هي دولة تتخذ مظاهر وأشكال قوة فوق الطبقات وفوق المجتمع وتمثل المصالح العامة وتتحدث باسم المجتمع ككل. ومن المقرر أن تخدم التشريعات والقوانين في المجتمع البرجوازي هذه الغاية. فالتشريع والخضوع للقوانين، يبدو وكأنه يكمن في "الذات البشرية" وينبع من "أصول" مجردة فوق المصالح الفئوية والطبقية. وعلى أية حال فإن الدولة الاعتيادية، الدولة القانونية، هي دولة طبقية، ولكن يتم التستر على طابع الدولة هذا في الظروف الاعتيادية، وفي المراحل غير الثورية. إن الماركسيين فقط هم من يعرف في كل الأحوال ويكشف هذا الطابع للدول، ولكن بالنسبة لأبناء المجتمع فإنهم على ما يبدو يقبلون عموماً بالطابع فوق الطبقي للدولة في المراحل اللاثورية. و"الدولة السيئة" هي الدولة التي لا تخدم "شعبها". إذ أن لدى الشعب توقعات وانتظارات حقوقية واقتصادية وثقافية خاصة من "الدولة" والدولة التي تفشل في الاستجابة لتلك التوقعات والانتظارات، يبدو أنها دولة فاشلة في أنجاز مهامها ووظائفها كـ"دولة"، ولكن نفس مفهوم الدولة لن يكون تحت طائلة السؤال. فمن الواضح بالنسبة لنا، أنا وأنتم، أن دولة الشاه هي دولة طبقة معينة، حالها حال دول من قبيل أمريكا وبريطانيا والهند. ولكن بالنسبة للجماهير الغفيرة من سكان البلد، كان يتم الحكم على نفس دولة الشاه حتى قبل مجيء ثورة عام ١٩٧٨- ١٩٧٩ بمعيار انتظارات وتوقعات "شعب" من "دولة" محددة وليس بمعيار المصالح الطبقية المحددة. ولكن في المرحلة الثورية تتبدد هذه الأوهام بسرعة. وما يبدد هذه الأوهام على الصعيد الواسع النطاق هو الواقع والحقائق الموضوعية وليس الدعاية الشيوعية. فقد اتضح للجماهير الغفيرة من خريف عام ١٩٧٨ وحتى ثورة شباط ١٩٧٩الطابع الطبقي لدولة الملكية الشاهنشاهية. لهذا صار يشار للدولة حتى بين أكثر طبقات المجتمع تخلفاً بوصفها دولة "الإمبريالية الأمريكية" ودولة الطبقة "الرأسمالية". وكون الدولة قوة القمع الخاصة لدى الطبقات الحاكمة لا هو موضع شك ولا هو بحاجة للبرهان، بل تركز النقاش والحديث حول اسقاط "دولة الطبقات الحاكمة".

وفي الواقع فإن الدولة نفسها من يزيح قانونيته جانباً في مواجه الثورة وتلجأ للإجراءات اللاقانونية والى جانب ذلك تُسقط بالضرورة تصورها عن نفسها بوصفها ظاهرة فوق الطبقات والمصالح المتناقضة والمتضادة داخل المجتمع. انعدام قيمة القانون في المرحلة الثورية، سواء قبل سقوط نظام الحكم الموجود أو بعد سقوطه، يشكل بحد ذاته شاخصاُ ودليلاً على افتضاح الجوهر الطبقي للدولة والمصالح الخاصة الكامنة وراء هذه القوة القمعية وتحولها الى قوة قمع خاصة تخص جزءاً معيناً من المجتمع. وفي المرحلة الثورية تضطر القوة القمعية للاعلان عن تحيزها الطبقي الخاص، وليس هناك أمام الطبقات الحاكمة من سبيل آخر غير هذا السبيل للقضاء على الثورة وتحطيمها. إن الدولة الناجمة عن الثورة (سواء كانت حقيقية أو لا) ومن أجل الحفاظ على بقائها مضطرة طوال المرحلة الثورية للجوء الى الأعمال اللاقانونية والحديث باسم أقسام وطبقات معينة في المجتمع (حتى لو كانت الأكثرية). وبالنسبة للدولة الجديدة تشكل الثورة مصدر السلطة وليس القانون. مثلما أن الأمربالنسبة للدولة القديمة أثناء هبة الجماهير يتمثل في أن الاستقرار هو مصدر ممارسة سلطتها وليس القانون. وفي الواقع فإن العبور من أسبقية الثورة الى سيادة القانون هو أحد شواخص ومظاهر الانتقال من "دولة المرحلة الثورية" الى "الدولة الاعتيادية".

وبالتزامن مع انكشاف التحيز الطبقي الخاص للدولة وممارستها اللاقانونية، تفقد المؤسسات والعلاقات الروتينية و"القانونية" لممارسة السلطة الحكومية أهميتها لصالح المؤسسات والعلاقات اللاقانونية وغير المألوفة. وتنحط الدولة البرجوازية في المرحلة الثورية وتنحدر الى أصلها الأساسي أي الى "مجموعة من القوى المسلحة القمعية، والسجون والمحاكم". وتنهار جميع التزويقات ومظاهر التشذيب والزينة وتمنح الحكومة والبرلمان والهيئات القضائية وما الى ذلك مكانها للمقرات واللجان العسكرية وقوات الطوارئ التي تنفذ الوظائف الرئيسية للدولة البرجوازية بعيداً عن أي تزويق وإضافات. إذن هنا ما عادت المؤسسات "التقليدية" فعالة، لأن المجتمع ووفقاً للتعريف هو في حالة ثورة ضد تلك المؤسسات وفي حالة تمرد عليها وعدم خضوع لها. ومن الجانب الآخر فإن الدولة الناجمة عن الثورة (الدولة التي تشكلت على أية حال "باسم الثورة") مضطرة في بقائها ليس بالاستناد على المؤسسات والهيئات المبنية والموروثة من مرحلة اللا أزمة، بل على المواد والعناصرالتي تشكلت وتبلورت طوال عملية الثورة. عملية الإنبعاث أو إعادة بناء وإكمال المؤسسات الحكومية الاعتيادية هو بحد ذاته شاخص ومعيار من المعايير المهمة أيضاً في الانتقال من "دولة المرحلة الثورية" الى "الدولة الاعتيادية".

كل هذا يعني أن كل من البرجوازية وكذلك الجماهير الثائرة في المرحلة الثورية تنظر الى الدولة لا بمثابة مؤسسة فوق المجتمع، بل بوصفها أداة في خدمة التفوق السياسي والعسكري في مرحلة معينة، أي كل ما يمكن أن يكون في الواقع "دولة المرحلة الثورية". وتتحول الدولة قبل كل شيء الى أحد أشكال تنظيم الممارسة السياسية المنظمة لطبقات محددة فيما يتم تهميش وظيفة "إدارة الأمور". وسنشير الى أهمية هذه النقطة في تحليل أسلوب تعامل لينين مع الدولة الثورية في عام ١٩٠٥ وعام ١٩١٧، الأمر الذي كان يثير استغراب ودهشة الإقتصاديين الأكاديميين، وكذلك في تحليل مكانة الجمهورية الثورية في برنامجنا.

٢- ولكن في مرحلة الثورة لا تشكل الدولة وسيلة تغيير المجتمع، أو وسيلة مقاومة تغيير المجتمع، بل أنها تكون نفسها موضوع التغيير في المجتمع. بعبارة أخرى ليست الدولة وسيلة الممارسة السياسية المنظمة لطبقات معينة، بل أنها نفسها ظاهرة تعتبر بشكل مباشر موضوعاً للممارسة السياسية. ففي إضراب لزيادة الأجور تظهر الدولة البرجوازية بدور القامع. انتصار ونجاح ذلك الإضراب، حتى لو كان بشكل قسري، سيكون بمعنى النجاح في زيادة الأجور. ولن تكون الدولة في الأساس موضع هجوم، ولن تكون هناك، بالضرورة، مطالبة بإجراء تغيير جدي في الدولة، في نسيج الدولة، وفي نهجها وأسلوبها وما الى ذلك. ولكن في ثورة ما، فإن الدولة القائمة هي نفسها ظاهرة عرضة للرفض وتتم المطالبة بنوع معين من دولة بديلة. إن قضية الثورة هي السلطة السياسية ولذلك فإن القسم الأعظم من مطالب الشرائح الثورية يرتبط مباشرة بالتغيير في شكل وممارسة وعمل الدولة نفسها. وموضوع أية دولة بأية تركيبة وأية سمات يجب أن تسود هو أحد مطالب وأهداف الثورة. هذا الحقيقة تضيف عاملاً في تحليل الدولة البرجوازية يحوز على أهمية أقل في مرحلة الممارسة "الاعتيادية" للمجتمع، وهذا العامل هو أن الإصلاح في عمل الدول البرجوازية طوال مرحلة الثورة، هو حصيلة وثمرة ضغط الثورة وردود أفعال البرجوازية تجاه الأوضاع الثورية. وهذا هو تراجع سياسي من قبل البرجوازية للتخفيف من حدة الثورة نفسها. وعليه فإن "الإصلاحات" في أشكال الحكم البرجوازي في المرحلة الثورية تختلف اختلافاً اساسياً عن الإصلاحات في المراحل غير المتأزمة والاعتيادية. في المراحل غير المتأزمة لا تتناقض الإصلاحات السياسية في المجتمع البرجوازي بالضرورة مع حاجات تراكم الرأسمال، بل في الكثير من الأحيان تصبح شرطاً لازماً لتوسيع عملية التراكم تلك. فالإصلاحات السياسية، وعلى الرغم من أن طبقات المجتمع المحرومة تشكل القوة المحرِّكة لها، إلا أنها في أغلب الأحيان تتطابق وتنسجم مع الحاجات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة للبرجواية. ولكن في المراحل الثورية، فإن الإصلاحات السياسية هي دليل على تراجع الدولة البرجوازية، وهي بالضد من رغبة وميل البرجوازية وبالضد من الحاجات الموضوعية الاقتصادية والاجتماعية الاعتيادية للرأسمال. ثمة اختلاف كبير بين نمو البرلمانية، اتساع مديات نشاط الاتحادات العمالية، تنامي حق التصويت والحريات البرجوازية-الديمقرطية التي أصبحت فعلية طوال عملية تاريخية طويلة نسبياً في أوروبا (والآن هي بصدد الزوال والانقضاض عليها وسلبها)، وبين "الأجواء السياسية المفتوحة" التي ترضى بها، على مضض، الدول البرجوازية المستبدة في البلدان الخاضعة في أوضاع الأزمة الثورية. فبالنسبة للثانية لا يجب البحث في "الاقتصاد" أو في متطلبات عملية التراكم، وفي المنافسة بين مختلف أجنحة البرجوازية ومصالحها المختلفة، لتعقب أسس تطابقها مع الحاجات الاقتصادية لهذا أو ذاك القسم من البرجوازية. هنا، أي في المراحل الثورية، تتراجع البرجوازية مؤقتا مقابل المطالب الثورية بخصوص الدولة وبقصد كبح وامتصاص أمواج الثورة. هذا هو ما تفرضه الثورة على البرجوازية وليس إصلاح الدولة البرجوازية وفقاً للمستلزمات الجديدة للبنية التحتية الاقتصادية والطبقية للمجتمع البرجوازي. وإذا دخل الليبراليون، الاصلاحيون، والبرلمانيون وغيرهم الميدان وتحولوا الى ممثلين لحكومة الرأسمال نتيجة لهذه التراجعات فإن هذا لا يعني تفوق أشكال الحكم الليبرالي-البرلماني في النظام الاجتماعي البرجوازي ورغبة البرجوازية بأشكال الحكم هذه "بحد ذاتها"، بل يعني تراجع البرجوازية الى مكانة غير مرغوبة بالنسبة لها هي الليبرالية والبرلمانية. عمر هذه الإصلاحات تابع لضغط الثورة وليس لضغط المصالح الاقتصادية لشريحة خاصة من شرائح البرجوازية أو مستلزمات المرحلة الجديدة من تكامل ونمو المجتمع البرجوازي. ولكن النتيجة الأهم يمكن استنتاجها من هذه النقطة فيما يتعلق بنفس الدولة الثورية. لقد قلنا أن الثورة نفسها تتضمن المطالبة بنوع خاص من الدولة. ولكن من الخطأ التصور أن حصيلة انتصار أية ثورة ستؤدي مباشرة الى قيام هذا النوع الخاص من الدولة. إذ أن المطالب الثورية فيما يتعلق بالدولة، تتصور منهاجاً خاصاً متعارفاً عليه من الحكم: نوع محدد من الديمقراطية، نوع محدد من سلسلة المراتب والتسلسل الهرمي للسلطة، نوع محدد من تدخل الأفراد في عملية القرار السياسي والاقتصادي، نوع محدد من القانون، والحقوق والوظائف الفردية والجماعية. ولكن الدولة الثورية، في المرحلة الثورية، هي وسيلة تحقيق هذه الدولة المُطالَب بها وليست تلك الدولة نفسها. ولا يمكن للدولة الثورية في المرحلة الثورية أن تكون، على الفور، مثل تلك الدولة مباشرة، إلا في ظل ظروف استثنائية. فحصيلة كل ثورة منتصرة دولة ثورية مؤقتة تعمل بمثابة وسيلة في قمع مقاومة الثورة المضادة. هذه الدولة هي علامة تكامل الفعل الثوري "من الأسفل" وتطوره الى مجموعة الإرادات الفاعلة الموحدة "من الأعلى والأسفل" على حد سواء. وهذه المرحلة الجديدة من الثورة هي مطلوبة من أجل أقامة النظام السياسي وليس النظام السياسي نفسه. بعبارة أخرى فإن الدولة الثورية في مرحلة الثورة، أي الدولة التي هي حصيلة الانتفاضة والمشرفة على مرحلة الظفر السياسي والعسكري الحاسم للثورة، تختلف عن "الدولة الاعتيادية" الناجمة عن الثورة، أي النظام السياسي المنشود. هذه الاختلاف ليس فقط في النهج والأولويات، بل وكذلك في تركيبة الدولة، هيئاتها، القوى المكوِّنة لها وعلاقتها الفعلية بالطبقات التي تمثلها. وليس من الصعب فهم أسباب هذا الاختلاف. فإقامة النظام السياسي الجديد يتطلب ويستلزم قمع وإزالة مخاطر إعادة النظام القديم. ولكن هذا القمع يجب أن يتبلور بالاستناد على القوى والطاقات النضالية الموجودة أصلاً في متناول اليد الآن. إن هيئات الثورة، من الأعلى الى الأسفل، ليست بالضرورة نفس هيئات إدارة المجتمع في "النظام السياسي المنشود". إذ من المحتمل أن لا تكون هيئات "النظام السياسي المنشود" قد تبلورت بشكل كامل أو ربما تكون في مراحلها الأولية. والترتيبات التنظيمية التي اتخذتها الطبقة الثورية من أجل اسقط النظام، ليست بالضرورة وليس محتملاً على الأغلب أن تكون نفس الترتيبات التي تتخذها هذه الطبقة في النظام السياسي المنشود. والقوى التي تمتلكها الطبقة الثائرة بشكل فعلي عشية إسقاط النظام، هي ليست نفس القوى التي تنشط وتدخل الى الميدان في خضم عملية قمع الثورة المضادة وتأكيد النصر السياسي والعسكري المحقق للثورة. وبكلمة واحدة، الدولة الثورية المؤقتة، هي الثمرة الحتمية لعملية الثورة، وتتخذ طابع المسار السابق للنضال الثوري وقواه وتقاليده ومستلزماته. في حين أن النظام السياسي الذي تنشده الثورة، والذي بوسعه فقط أن يكون بشكل كامل حصيلة طي مرحلة الثورة بنجاح وظفر، يتخذ أشكاله وعلاقاته ليس فقط من عملية الثورة، بل وذلك من أهداف وأفكار وبرنامج الطبقة الثورية وحياتها الاجتماعية.

إما الى أي حد تستطيع الدولة الثورية المؤقتة أن تشبه على الفور النظام السياسي المنشود، فإن هذا يتبع لعوامل كثيرة. ولكن ليس هناك من شك أن عدم التشابه الكامل ووجود اختلافات جدية بين الدولة الثورية في المرحلة الثورية، وبين "النظام الاعتيادي" الذي تتطلع إليه الثورة، هو القاعدة وليس الاستثناء. ومن البديهي أيضاً أن الظفر والانتصار النهائي للثورة من الناحية السياسية لا يقتصر فقط على الإطاحة بالدولة البرجوازية وإقامة الدولة الثورية المؤقتة، بل يعني تنظيم وبلورة النظام السياسي الذي تهدف إليه الثورة ويتضمن التحرر والخلاص السياسي. وبهذا الشكل فإن إحدى الخطوات الثورية الأساسية للدولة الثورية المؤقتة هي المساعدة في تبلور تلك العلاقات والمؤسسات التي يجب أن يقوم عليها النظام السياسي المنشود في أقل مدة زمنية ممكنة. وبهذا المعنى فإن الثورة وحتى بعد الإطاحة بالدولة القديمة وإقامة الدولة الثورية المؤقتة، ستظل تنشد وتتطلع لإقامة نوع معين من الدولة. فالدولة الثورية في المرحلة الثورية، هي وسيلة تحقيق هذا الهدف السياسي الأساسي وهي في نفس الوقت ستتبع بوصفها دولة أيضاً حركة تقدم الثورة وستتغير جذريا نتيجة هذه الحركة.

وسنتناول فيما بعد، من ضمن الإشارة الى تجربة ثورة أكتوبر والانتقادات "الديمقراطية" الموجهة تحت ستار اليسار الى الثورة البلشفية، أهمية هذا التمييز بين هذين النوعين من الدولة الناجمة عن الثورة.

٣- في المراحل الثورية يتبلور استقطاب الطبقات الاجتماعية والمواجهة الفعلية بين الطبقات على أساس مسائل إما أن تكون هامشية أو لم تطرح بعد بشكل جدي في المراحل الواضحة وغير الثورية من حياة المجتمع. حيث تصطف الطبقات الاجتماعية وتستقطب حول مسائل تنبع من مسار ومستلزمات حركة الثورة. نفس العوامل والشواخص التي تشكل معايير تحديد الهوية والانتماءات الطبقية للدول، الأحزاب، والشخصيات السياسية للطبقات المختلفة في الظروف الاعتيادية غير المتأزمة، ليست بالضرورة شواخص ومحددات ومعايير مناسبة وجيدة في المراحل الثورية. بل ثمة شواخص ومحددات أخرى تكتسب أهميتها على مستويات أكثر تحديداً وواقعية. فقد شهدنا جميعاً في إيران كيف أن المطالب "الصنفية" تخلت، مع نمو الثورة، عن مكانها للمطالب "السياسية"، وكيف تحولت قضايا معينة من قبيل "الملَكَيّة، نعم أو لا"، "إطلاق سراح السجناء السياسيين"، "السيطرة العمالية" وما شابهها الى مركز اهتمام الجماهير وتحولت، وفقاً لذلك، الى مركز التقاء وتضاد مصالح الطبقات المتصارعة في المجتمع. من الضروري ربط تحليل الطابع الطبقي للدولة في المراحل الثورية بالمسائل الملحة للصراع الطبقي، أي المسائل التي تشكل بموضوعية معضلات نمو أو نكوص الثورة. وليس بكاف إيجاد الصلة بين الدولة والأحزاب السياسية من جهة و"الملكية الخاصة" و"الحفاظ على العلاقات الانتاجية القائمة" من الجهة الثانية. فمن أجل تشخيص الطابع الطبقي للأحزاب والدول في المراحل الثورية، يجب قبل كل شي التركيز على القضايا الطبقية في الثورة وممارسات الدولة والأحزاب السياسية تجاه تلك القضايا.

في ثورة ١٩١٧ في روسيا، لم يكن الاشتراكيون الثوريون والمناشفة هم نفس الاشتراكيين الثوريين ومناشفة سنوات ما قبل الثورة، حتى لو كانوا كذلك من ناحية البرنامج وكانوا في شعاراتهم ومطالبهم يدافعون عن نفس علاقات الملكية والعلاقات الاقتصادية التي كانوا يدافعون عنها قبل الثورة. فقد اعتبر لينين الحكومة المؤقتة، أي الحكومة التي تشكلت بمشاركة الاشتراكيين الثوريين والمناشفة، حكومة برجوازية وإمبريالية، ليس بسبب أن تلك الحكومة المؤقتة مكونة تماماً من القوى الحزبية والسياسيين البرجوازيين الكبار وملاك الأرض الكبار الروس والمدافعين بحماس عن برنامجهم الاقتصادي، بل بسبب أن تلك الحكومة رفعت قامتها مقابل السلام، مقابل شعار سلطة المجالس (السوفيتات)، مقابل مطلب ٨ ساعات عمل، ومقابل مطلب توزيع الأراضي وعموماً ضد أهداف وشعارات الثورة الراهنة ولذلك مارست دورها، في واقع الأمر، كدولة البرجوازية ومالكي الأرض الروس في المرحلة الثورية. وقد كانت هذه الشعارات، وهذه القضايا والمعضلات، موضع التقاء الثورة والثورة المضادة في روسيا عام ١٩١٧ وبالتالي فإن نفس هذه العوامل تمثل، قبل أية ملاحظة أكثر عمومية بخصوص علاقة أي تيار بالعلاقات الانتاجية، العامل المشخِّص للانتماء الطبقي للأحزاب غير البروليتارية والحكومات الائتلافية. وحين تستقطب الطبقات مقابل الثورة، فإن المسائل التي تميزها عن بعضها البعض ستكون أيضاً نفس المسائل التي يعتمد عليها نمو أو توقف الثورة. على الدولة البرجوازية في المرحلة الثورية أن تجيب على حاجات الطبقة البرجوازية في نفس المرحلة وليس بالضرورة على حاجات وركائز وأسس عموم المجتمع البرجوازي في ميدان الإنتاج وإعادة الإنتاج ونظام الإنتاج. في التحليل النهائي فإن هذا هو أيضاً دفاع عن الوجود الاقتصادي والملكية الخاصة البرجوازية لأن السبيل العملي الوحيد للدفاع عن الملكية الخاصة والسيطرة الاقتصادية والاجتماعية للبرجوازية في المرحلة الثورية، هو مواجهة الثورة. إن القوة القادرة على تنظيم وقيادة هذه المعاداة للثورة وهذه المقاومة الطبقية البرجوازية بأكثر الأشكال نشاطاً وتأثيراً، ستكون هي القوة المكوِّنة للحكومة البرجوازية، بغض النظر عن مسألة أن كان ذلك التيار هو بحد ذاته أنشط المدافعين والمبررين للعلاقات الاقتصادية والملكية الخاصة البرجوازية وأكثرها وضوحاً وصراحة والأقدر على إدارة المجتمع البرجوازي الاعتيادي أو لا. فالدولة البرجوازية تمارس دورها في المرحلة الثورية بوصفها دولة الثورة البرجوازية المضادة، ولذلك تلجأ مؤقتاً، من أجل قمع أو كبح جماح الثورة، الى مجموعة من الخطوات التي هي ضد المصالح الفورية الاقتصادية أو المصالح الأساسية للملكية الخاصة البرجوازية. وقد أدى ضعف اليسار الإيراني في تشخيص هذه النقطة في الموقف من نظام الجمهورية الإسلامية الى التباسات وبلبلة فكرية ومواقف انتهازية مؤسفة. وسأتناول هذه النقطة لاحقاً.

٤- للمرحلة الثورية، على أية حال، بداية ونهاية وفي خاتمة المطاف ستترك مكانها لنظام سياسي مستقر و"مألوف". وسواء انتصرت الثورة نهائياً على البرجوازية أو انهزمت الثورة على يد البرجوازية فإن المجتمع سيدخل مرحلة من الحياة الروتينية والعادية المألوفة. وعلى الدولة بمثابة جزء من المجتمع أن تمر أيضاً بهذا التحول. فيما ستترك العلاقات والمؤسسات والقوى التي كانت سائدة في المرحلة الثورية، مكانها للعلاقات والمؤسسات المنسجمة مع إنتاج وإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية في ظل علاقات إنتاجية معينة، ويتم ذلك إما بالتطور أو بالتلاشي والاضمحلال. ولكن تحول الدولة من دولة المرحلة الثورية الى دولة اعتيادية مألوفة لا يتم بشكل مرتجل وفوراً. بل ينبغي أن تتم هذه العملية في العالم المادي وبتوفر أسسها الموضوعية والمادية العملية. وعلى الماركسيين الاهتمام بأشكال تحول الدولة من المرحلة الثورية الى مرحلة الحياة الاعتيادية للمجتمع. إن تبلور المؤسسات والهياكل السياسية والإدارية الدائمة للحفاظ على السلطة السياسية من قبل طبقة معينة وكسب وتثبيت الأشكال الحقوقية، القانونية، الثقافية، والأيديولوجية بحيث تكون قادرة على الحفاظ على ميزان القوى السياسية بشكل روتيني لصالح الطبقة الحاكمة (أو التي وصلت الى الحكم)، هي عملية تبدأ في نفس المرحلة الثورية. لا البرجوازية قادرة على الاستمرار ببناء سلطتها الطويلة الأمد على دولة تبلورت في معاداة الثورة، ولا البروليتاريا، في حالة كسبها للسلطة السياسية، قادرة على الحفاظ على تفوقها وغلبتها وانتصارها السياسي في المجتمع بنفس الطريقة وبالاعتماد على نفس القوى والهيئات التي هيأت لسقوط البرجوازية وكسرت شوكة مقاومتها. وعليه ينبغي في تحليل دور وعمل الدولة في المرحلة الثورية أن يهتم جانب مصيري من تحليلنا بتلك المسارات التي تعمل فيها الدولة المؤقتة القائمة على بلورة أسس وركائز سلطة وحكم طبقتها الطويل الأمد. فأحد الشواخص المهمة والعلامات الفارقة في تحليل الطابع والانتماء الطبقي لدولة معينة في المرحلة الثورية، هو الخطوات والسياسات التي تلجأ إليها الدولة بوصفها الممهد لنظام قادم أكثر استقراراً. وسنعود الى هذه النقطة بشكل أكثر تحديداً في تحليل الجمهورية الإسلامية بوصفها دولة برجوازية والدولة البلشفية بوصفها دولة بروليتارية.

ولنلخص هذا القسم:

يجب تناول الدولة في المراحل الثورية بشكل حي وبعيداً عن التعريف والاستنتاجات الكليشية. وفي الواقع فإن الدولة في مثل هكذا ظروف وأوضاع هي ظاهرة حية ومتغيرة تكتسب فلسفة وجودها وطابعها من معضلات وقوانين حركة المجتمع في مرحلة تاريخية خاصة. هذا هو الطابع الأساسي للمراحل الثورية التي يتحول فيها الوضوح السياسي-الثوري للمجتمع الى رافعة الحركة والتطور الاقتصادي-الإنتاجي. وتقبل الدولة أيضاً بتأثيرات هذا الطابع الأساسي لتلك المرحلة التاريخية. محور فهم الدولة وعملها في تلك المراحل وعلاقتها الخاصة بطبقتها، هو نفسه فهم الخصائص الخاصة بالمرحلة الثورية. الثورة هي عامل حاسم في مسار حركة المجتمع في تلك المراحل ولذلك يجب تحليل الدولة في المرحلة الثورية في تمايزها واختلافها عن الدولة في المراحل غير المتأزمة من عمل المجتمع بتمحورها أساساً حول الثورة. ولبلورة فهم صحيح لعلاقة البنية التحتية الاقتصادية بالدولة في هذه المرحلة يجب أولاً تحليل علاقة تلك البنية التحتية بالثورة وكذلك الوصول الى مقولة الدولة من خلال الثورة. فالدولة البرجوازية في المرحلة الثورية تنفصل ظاهرياً عن الحاجات الاقتصادية لتلك الطبقة كي تلعب دورها في مستوى أدنى وأكثر أساسية في الحفاظ على تلك البنية التحتية من خلال محاولة قمع الثورة. ومن جانب آخر تكون الدولة الثورية البروليتارية في هذه المراحل وسيلة سياسية لاستمرار النضال الثوري. هذه الدولة هي في تناقض وتضاد مع العلاقات الاقتصادية القائمة، دون أن تكون هي بذاتها ذلك النظام السياسي والدولة المناسبة لـ والمتطابقة مع الحاجات الاقتصادية الجديدة. الدولة البروليتارية في المرحلة الثورية هي أيضاً دول مؤقتة ثورية وتختلف كثيراً من جوانب عديدة عن "الدولة المألوفة" الناجمة عن الثورة (لو صح إطلاق مثل هذه العبارة على دكتاتورية البروليتاريا الثابتة).



الدولة في المراحل الثورية
   
الدولة في المراحل الثورية

الفهم اللينيني للدولة في مسار الثورة من أجل الديمقراطية
الجمهورية الثورية وبرنامجنا

ما قلناه هو في الواقع ليس أكثر من استنتاجات عامة من الكتابات السياسية لقادة الماركسية وخصوصاً لينين. ورأينا في الجزء السابق كيف أن كتاب "الدولة والثورة" هو محاولة لوصف الخصائص والطابع المختلف للدولة في المرحلة الانتقالية بين الرأسمالية والشيوعية على أساس التعاليم الأساسية للماركسية. وبعبارة أخرى، فإن أسلوب التعامل مع ظاهرة الدولة في مراحل التحول الثوري للمجتمع بالمعنى الشامل للكلمة، تم التنظير له في الماركسية. وفيما يتعلق بالمراحل الثورية بالمعنى المحدود للكلمة تم الحديث بالشكل الكافي في الأدبيات الماركسية وخصوصاً في مناظرات لينين ضد المناشفة من أجل الخروج برؤية منسجمة ومنتظمة عن الدولة في هذه المراحل. حيث تشكل نقاشات لينين عام ١٩٠٥، خصوصاً في كتاب "خطتا الاشتراكية الديمقراطية ..." وكذلك العديد من مقالات لينين طوال ثورة ١٩١٧ المتعلقة بمصير السلطة السياسة ووظائف الدولة البروليتارية، مصدراً ثراً لفهم الدولة في المراحل الثورية وأسلوب التعامل الصحيح والماركسي معها.

في عام ١٩٠٥ كانت الأحكام القائلة أن "الدولة هي وسيلة السيطرة السياسية للطبقة السائدة إقتصادياً" و "الدولة تابعة للعلاقات الاقتصادية القائمة في المجتمع والحامية لها"، تشكل مركز الثقل النظري لإصلاحية وليبرالية المناشفة في الموقف من مسالة السلطة السياسية. لقد كان المناشفة، وهذا ما هي عليه منظمة الوحدة الشيوعية في إيران اليوم، يعتقدون أن الطبقة العاملة وحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي بوصفه الممثل السياسي لهذه الطبقة لا ينبغي لهما أن يشتركا في الدولة الديمقراطية التي من المتحمل أن تنجم عن الثورة. وكان السبب، مثلما قلنا سابقاً، هو: أن على الدولة الديمقراطية أن تنجز وتحقق مهام الثورة الديمقراطية. وهذه المهام هي مهام البرجوازية (لا تخرج عن نطاق أسس العلاقات البرجوازية) ولذلك ستكون الدولة بالضرورة تابعة للاقتصاد والعلاقات الاجتماعية البرجوازية وستتحول الى وسيلة في خدمة البرجوازية. وليس على الشيوعيين أن يلوثوا أيديهم بالمشاركة في هذه الدولة. غير أن لينين وفي معرض رده على هذا التشويه للمادية التاريخية وهذه الأكاديمية العمياء وغير المنحازة أجاب بفهم واضح لمقولة الدولة في المراحل الثورية:

"هنا تتضح فوراً ما هي نتيجة غفلة دعاة الكونفرانس عن مسألة محددة تواجه قادة البروليتاريا السياسيين. المسألة الملموسة هي غياب الحكومة الثورية المؤقتة عن أفق ورؤية دعاة الكونفرانس في موضوع سلسلة الحكومات القادمة التي ستحقق كلياً أهداف الثورة البرجوازية. وإذا أردتم النظر الى المسألة من جانب "تاريخي"، فإن نموذج كل بلد أوروبي يبين لكم أن الأهداف التاريخية للثورة البرجوازية تحققت بواسطة سلسلة من الحكومات التي لم تكن قطعاً حكومات "مؤقتة"، وحتى الحكومات التي هزمت الثورة لم تتنصل، على أية حال، عن تحقيق المهام التاريخية للثورة المهزومة. ولكن "الحكومة الثورية المؤقتة" ليست أبداً الحكومة التي تتحدثون أنتم عنها: هذا هو اسم حكومة مرحلة ثورية، حكومة تحل مباشرة محل الحكومة المنهارة وتستند على ثورة الجماهير وليس ذلك النوع من الهيئات المنتخبة المنبثقة من الجماهير. إن حكومة ثورية مؤقتة هي هيئة النضال في مسار الظفر السريع للثورة والتخلص السريع من مساعي الثورة المضادة، وليست هيئة تحقيق الأهداف التاريخية للثورة البرجوازية بشكل تام. هلموا لنترك الموضوع لمؤرخي المستقبل وليحكموا في "Ruskaya Starina" على ما هي وظائف الثورة البرجوازية التي أنجزنها نحن وأنتم وفلان من الناس بنفس هذه الحكومة. هذا العمل يمكن القيام به بعد ٣٠ سنة أخرى أيضاً. ولكننا الآن علينا أن نطرح الشعارات والتوصيات والتوجيهات العملية من أجل النضال في سبيل الجمهورية ومن أجل أفضل مشاركة للبروليتاريا في هذا النضال.
(خطتا الاشتراكية الديمقراطية...المجلد التاسع من الأعمال الانجليزية، ص ٤٢-٤٣، التأكيد منا.

هنا يؤكد لينين بصراحة على التمييز بين الدولة من الناحية "التاريخية" والدولة في المراحل الثورية. فالدولة الثورية هي وسيلة استمرار النضال الثوري من الأعلى (بالإضافة الى الأسفل). هذه الدولة تستند على الثورة والقوة الثائرة وليس على هذه الهيئة المنتخبة أو تلك. وظيفة هذه الدولة قمع معسكر الثورة المضادة والترسيخ التام لسلطة الثورة. نفس المرحلة الثورية هي ما يحول قضية "انتصار الثورة" الى قضية محورية بالنسبة للطبقة العاملة. "غد الثورة" بالنسبة للينين لا هو معضلة نظرية، ولا هو موضوع من مواضيع علم الاجتماع، بل هو أوضاع عملية تتسم بخصائص مميزة خاصة. وليس لدى المناشفة رؤية ملموسة عن مستلزمات وسمات المراحل الثورية بل كانوا ينظرون الى الدولة من خلال جملة من الأحكام الجامدة والنمطية و"التاريخية" في سعيهم لتعقب أوضاع موضوعية تاريخية والتي تمتلك سمات وقوانين خاصة بها للحركة. الرؤية الأكاديمية والتفكير النمطي للمناشفة بخصوص الدولة، هو في الممارسة العملية تبرير للتهرب من النضال الثوري حتى النهاية:

"قرار المناشفة وبدلاً من يوضح مسألة كيف ينبغي على البروليتاريا الآن "دفع المسار الثوري الى الأمام"، وبدلاً من التوصية بخطوة عاجلة محددة من أجل النضال ضد البرجوازية في خطوها نحو الوقوف ضد مكاسب الثورة، يقدم مجرد وصف عامل عن عملية ما.، وصف لا يقول شيئاً عما يتعلق بالأهداف المحددة لنشاطنا. نهج ايسكرا الجديدة في عرض وجهات نظرها يُذكِّر برؤية ماركس (في موضوعات فيورباخ) حول المادية القديمة التي كانت غريبة عن أفكار الديالكتيك. لقد كان ماركس يقول أن الفلاسفة لم يفعلوا غير أن فسروا العالم بطرق مختلفة، ولكن المسألة تتقوَّم في تغييره. جماعة إيسكرا الجديدة قادرة، بنفس الشكل، على الوصف والتفسير المقبول لعملية النضال الجارية أمام أنظارها، ولكنها عاجزة كلياً عن طرح شعار صحيح من أجل هذا النضال. يجيدون المسير، ولكنهم يقودون بشكل سيء. إنهم يبتذلون الفهم المادي للتاريخ بتناسيهم للقيادة النشطة والدور المرشد الذي يمكن ويجب تاريخياً أن تلعبه الأحزاب التي امتلكت الشروط الأولية المادية للثورة وتقف في طليعة الطبقات.
(المصدر السابق ص٤٣-٤٤)

والواقع هو أن هؤلاء "المفسرين" ليسوا بمدافعين عن "نظرية ماركس" مقابل "براغماتية" الثوريين، بل إنهم المشوهون لنظرية ماركس. وجدال لينين مع المناشفة حول قضية الدولة والسلطة السياسية في ثورة ١٩٠٥، ليس جدالاً بين "الواقع الأخضر" و"النظرية الرمادية"، لأن النظرية الماركسية هي من يعرف ديناميكية تحول المجتمع الحية والدولة في المرحلة الثورية ولذلك هي حية وغضة و"خضراء" بنفس الدرجة التي يكون عليها الواقع. دفاع لينين عن الحكومة المؤقتة في عام ١٩٠٥هو، في الواقع، دفاع نظري عن التحليل الماركسي للدولة. والنقطة الأساسية في ذلك الدفاع هي معرفة سمات وخصائص المراحل الثورية:

"على المرء أن يمتلك تصور تلميذ مدرسة في رؤيته للتاريخ كي يرى القضية بشكل ملموس دون "فقزات" وبصورة خط مباشر يتحرك بشكل بطيء ومرتبط بما سبقه، وبهذا الشكل سيكون الدور الأول دور البرجوازية الليبرالية الكبيرة: تحقيق امتيازات جزئية من الاستبداد، ثم يكون دور البرجوازية الصغيرة الثورية: الجمهورية الديمقراطية، وفي خاتمة المطاف سيكون دور البرليتاريا: الثورة الأشتراكية. وهذا التصور هو تصور صحيح بدرجة كبيرة، صحيح، على حد قول الفرنسيين، وتتحق تلك الأمور في فترة طويلة من الزمن أي طوال قرن أو شيء من هذا القبيل...ولكن على الإنسان أن يتمتع بسذاجة كبيرة كي يمارس هذا السذاجة في مرحلة ثورية. ذلك أن أجهزة الاستبداد الروسية حتى لو عجزت عن إنقاذ نفسها عن طريق دستورية شكلية، وحتى لو لم تتداعى فقط بل سقطت، من الواضح أن دور قوة ثورية عظيمة للدفاع عن هذه المكتسبات سيكون أمراً ضرورياً. ولكن هذا "الدفاع" ليس سوى الدكتاتورية الثورية للبروليتاريا والفلاحين. كلما كانت مكتسباتنا أكبر وكلما كان دفاعنا عن تلك المكتسبات أقوى وأشد، كان قدرة الرجعية على سلب تلك المكتسبات فيما بعد أقل وأضأل، وسيكون دور الرجعية اقصر عمراً فيما سيصبح دور المناضلين البروليتاريين بعدنا أسهل وأكثر يسراً".
(الدكتاتورية الثورية الديقراطية للعمال والفلاحين، المجلد الثامن، ص ٢٢٩)

ومقابل فهم "تلميذ المدرسة" هذا للمادية التاريخية والدولة، يجب التأكيد على البديهيات السياسية فيما يتعلق بالمراحل الثورية:

"أ ليس من الواضح أن بدون الدكتاتورية الثورية الديمقراطية ليس هناك أقل أمل في نجاح هذا النضال [من أجل الجمهورية]؟ أحد العيوب الأساسية في الاستنتاجات المشار إليها [استنتاجات المناشفة] جمودها وموتها، طابعها الشكلي وعجزها عن الأخذ بنظر الاعتبار المكانة الثورية. النضال من أجل الجمهورية وفي نفس الوقت التخلي عن الديكتاتورية-الثورية شبيه بما قام به أوياما [مارشال ياباني] حين قرر الحرب مع كروباتكين [جنرال روسي] في مدينة موكدين ولكنه منذ البداية تخلى عن فكرة احتلال المدينة. لو كنا، نحن الجماهير الثورية، أي العمال والفلاحين، نريد "النضال الى جانب بعضنا البعض الاخر" ضد الاستبداد علينا أن نناضل الى جانب بعضنا البعض حتى النهاية، ونقضي عليها الى جانب بعضنا البعض أيضاً ونكون الى جانب بعضنا البعض في القضاء على المحاولات الحتمية الرامية لإعادته من جديد".
(نفس المصدر، ص ٢٩٨، التأكيد منا)

هذا هو أسلوب لينين في النظر الى المرحلة الثورية ومسألة الدولة. الدولة الثورية هي استمرار للثورة، وتصاعد الثورة بالنضال "من فوق" من أجل إحباط مقاومة الثورة المضادة الحتمية. ومسألة ما يجلبه مسار تطور اقتصاد المجتمع في التحليل الأخير وفي مرحلة طويلة على الدولة الثورية، لا يوضح أي شيء عن ضرورة وحدود عمل هذه الدولة. نفي الدولة الثورية، بذريعة الصيغة القائلة أن "الدولة مدافع عن مصالح الطبقة السائدة اقتصادياً"، هو في الواقع هو لائحة اتهام "نظري" ضد الانتفاضة والثورة نفسها. إذا كان واجباً القيام بالثورة، حينها من الواجب أيضاً معرفة المعنى السياسي لانتصار الثورة وطبيعة السلطة السياسية في المرحلة الثورية. الدعاية للثورة من دون فهم ضرورة إقامة دولة ثورية، بالتحجج بالصيغ والعبارات النمطية بخصوص علاقة الدولة والبنية التحتية الاقتصادية، هو خداع ليبرالي وانهزامية مثقفين.

وفي عام ١٩١٧ كان لينين يتبع نفس النهج في مقاربة الدولة أيضاً. وكان الكثير من الأشخاص يعتبرون موقف لينين حول طابع ثورة ١٩١٧ وضرورة تشكيل حكومة بروليتارية أعادة نظر في صيغة الدكتاتورية الديمقراطية الثورية للعمال والفلاحين (١٩٠٥). كانوا التروتسكيون يعتقدون أن لينين في عام ١٩١٧ يميل الى صيغة تروتسكي في عام ١٩٠٥. في حين يعتقد آخرون أن لينين في عام ١٩٠٥ يتبع نفس التفكير المنشفي حول الثورة المرحلية ولكنه تخلى عنه في عام ١٩١٧ في (موضوعات نيسان). وما يغضون النظر عنه هو فهم لينين الواضح لطبيعة الدولة في المراحل الثورية. وهذا هو نفسه الجانب من النظرية الماركسية الغائب عن تفكير المحللين والنقاد النمطيين للينين. فكرة دكتاتورية "طبقتين" اُنتقِدَت ومازالت تُنتقَد في عصرها وألان أيضاً (من قبل التروتسكيين ومن ضمنهم منظمة الوحدة الشيوعية في اليسار الإيراني) وبالطبع على أساس نفس الصيغة العسيرة الهضم الخاصة بعلاقة "الدولة والاقتصاد". غير أن لينين لم يستنتج هذه الفكرة (كي يغير موقفه فيما بعد) من التفسير المرحلي لتاريخ تطور العلاقات الإنتاجية في روسيا. وكما جرت الإشارة إليه سابقاً، كان يجب على الدولة الثورية في عام ١٩٠٥ أن تكون ائتلافاً حكومياً من طبقات وشرائح المجتمع الديمقراطية وأن تعبر عن توازن القوى بين القوى الحية لتلك الطبقات في عملية الثورة. لقد كان العمال والفلاحون هم القوة المحركة للحركة الثورية ولذلك كانوا يستطيعون أن يكونوا القوة المكونة لدولة تأخذ على عاتقها مهمة قمع المقاومة الحتمية للبرجوازية في عملية استمرار الثورة. حصيلة النضال المشترك بين هذه القوى، وبهذا التوازن الواقعي للقوى، لم يكن قادراً على أن يكون دكتاتورية البروليتاريا. فإذا كانت دكتاتورية طبقتين تشكل تناقضاً، وهو تناقض بالفعل، فإن هذا التناقض يجب أن يحسم أمره ويُحل من تلقاء نفسه في التاريخ الواقعي والمادي وبمرور الزمن. ولتحليل هذا المسار سيظهر، كما يقول لينين، الكثير من المؤرخين. ولكن الدولة الثورية "لطبقتين" هي حصيلة ثورة "طبقتين". فلو كان بوسع الانتفاضة وعملية الثورة من الأسفل أن تكون تركيبة غير متجانسة من الطبقات والشرائح الاجتماعية (مثلما كانت عليه في عام ١٩٠٥)، فإنه يمكن لاستمرار الثورة "عشية الانتفاضة" أن يتواصل من خلال هذه الطبقات على شكل دولة معينة، طالما أن الثورة ظاهرة قائمة وموجودة بالفعل. الدولة الثورية المكوَّنة من "عدة طبقات" ثائرة، ليست بتناقض "نظري"، بل، بالعكس، هي ضرورة نظرية ناجمة عن فهم واقع الثورة الجماعية وخصائص وسمات المرحلة الثورية بوصفها مرحلة تكتيكية في عام ١٩٠٥.

وقد تغير في ثورة عام ١٩١٧ توازن القوى هذا وطريقة مشاركة أقسام المجتمع المختلفة، وكذلك القضايا المحورية التي استقطبت حولها الطبقات مقارنة بثورة عام ١٩٠٥. ومن البديهي أن قسماً من هذا التغيير هو نتاج وحصيلة ١٢ عاماً من تطور روسيا، فيما كان القسم الآخر ناجم عن تصاعد أزمة الرأسمالية العالمية لدرجة اشتعال فتيل حرب عالمية مدمرة. ولكن في كل الأحوال فإن النتيجة العملية لهذه التحولات هي في صراع الطبقات وتأثيراتها على توازن القوى الواقعي بين القوى الثائرة وهذا ما غيَّر الإمكانات العملية للبروليتاريا في علاقتها بالسلطة السياسية. وهو نفس الأمر الذي جعل لينين يضع في جدول الأعمال سياسة تشكيل الحكومة العمالية، وهذه المرة "بالحصول على الدعم" من الفلاحين الفقراء. بوسع الدولة الثورية أن تكون دولة العمال. ولم يُعِد لينين النظر في منهجه ورؤيته، بل إن الواقع العملي وفر إمكانية إقامة حكومة عمالية وقمع الثورة المضادة من قبل دولة ثورية عمالية. واليوم حين نتأمل تجربة ثورة أكتوبر بعد مرور سنوات طويلة ندرك أن نفس دولة "الطبقة الواحدة" هذه أصيبت بتناقضات أصابت دولة "الطبقتين" الثورية والمتناقضة. نفس الضرورة المصيرية لكسب دعم الفلاحين بسبب ثقلهم السياسي والاقتصادي والدور الذي كان عليهم لعبه في عملية عزل وإحباط الثورة البرجوازية المضادة المسلحة، الروسية وغير الروسية، جعلت الدولة الثورية تواجه مشقات ومصاعب أساسية وتترك طابعها على عملية تكوين تلك الدولة. ولكن ليس بوسع أي شخص أن يستنتج من هذه التناقضات ومن نقص قوة العمال في فرض سلطتهم وبالتالي من الضغوطات السياسية والاقتصادية للطبقات اللاعمالية، أن تشكيل حكومة ثورية عمالية مع الأخذ بنظر الاعتبار البنية التحتية الاقتصادية الروسية هو أمر "سابق لأوانه"، لأن هذه الحكومة هي فقط القادرة على ضمان استمرار الثورة من فوق (وكذلك من تحت) في كافة النضال من أجل قمع المقاومة الحتمية للثورة البرجوازية المضادة في روسيا.

الفهم اللينيني للمراحل الثورية والدور المؤثر للدولة في عملية الثورة في تلك المراحل هو دليل على حقيقة أن التدخل السياسي الفعال ليس بنقض للأصول الماركسية، ولا يتطلب أيضاً أعادة نظر في تعريف التفسيرات الماركسية وخصوصاً في المادية التاريخية ونظرية الدولة، بل أنه ناجم عن نفس هذه النظرية وعن هذه المادية. المنشفية واليسار الليبرالي يضع تقليدياً الممارسة الشيوعية في مواجهة "النقاء" النظري. ومن غير شك أن الممارسة الشيوعية تتناقض وتتضاد مع الصياغات النمطية النظرية للمادية الميكانيكية والروايات المشوهة للماركسية من قبل الحتميين الاقتصاديين. ولكن الماركسية القادرة على معرفة قوانين حركة المجتمع وسمات الظواهر الاجتماعية ومن ضمنها الدولة في المراحل الثورية، لا تضع النظرية في مواجهة التدخل و"الوصول الى السلطة السياسية"، بل وأنها ترى فيها مصدراً ثراً من الإرشاد والتوجيه من أجل أكثر أشكال التدخل الثوري فعالية في المجتمع.

لقد استنتجنا الجمهورية الثورية والطلب عليها من نفس هذا المنهج وليس من أي وصف مرحلي للثورة. و بعد التوضيح الدقيق والموجز لضرورة وإمكانية الثورة الاشتراكية وتعريف هذه الثورة بوصفها فلسفة وجودنا وأساس تنظيمنا، توصلنا في برنامج الحزب الشيوعي الى النقطة القائلة بأن الطبقة العاملة في إيران ليست بقادرة ومستعدة في الأوضاع الراهنة على إقامة حكومتها الخاصة الآن. خلق هذا الاستعداد هو وظيفتنا نحن. ولكن، في كل الأحول، ثمة تركيبة من قوى المجتمع الطبقية تمتلك القدرة على تحقيق "ثورة أخرى". وهذه الثورة هي ثورة من أجل الديمقراطية كما أنها جزء من كل عملية الثورة العمالية. انتصار مثل هذه الثورة يساعد على الثورة العمالية. انتصار هذه الثورة بالقوى الواقعية الموجودة فعلاً الآن للطبقات المتطلعة للديمقراطية الثورية هي قضية عملية. هذه الثورة يجب أن تُسقِط حتماً الدولة الموجودة والنظام السياسي القائم. فما الذي يمكن ويجب أن يحل محلهما؟ يقول مناشفتنا ينبغي أن تقوم دولة أزف موعدها من الناحية "التاريخية". فإذا لم يحن الوقت لدكتاتورية البروليتاريا، أو إذا لم تستطع، على أية حال، هذه الدولة الناجمة عن "الثورة الأخرى" أن تكون دكتاتورية البروليتاريا، فإن كل شيء ومن ضمنه تلك الحكومة الثورية ستكون بالضرورة "سمائية اللون" وبرجوازية من أعلاها الى أسفلها حسب ما يزعمون. التدخل المبكر جداً في مسألة السلطة السياسية وتشكيل حكومة ثورية لن تكون عاقبته سوى التحول الى وسيلة بيد البرجوازية أي "الطبقة السائدة من الناحية الاقتصادية"! ولكن ماذا تقول الماركسية؟ بالنسبة لنا كماركسيين نمتلك تجربة لينين الحية والخلاقة في العملية الثورية، فإن القضية بالنسبة لنا هي بهذا الشكل: ما الذي سيحل محل الدولة البرجوازية المنهارة كي تتمكن الثورة من أجل الديمقراطية الاستمرار بأعمق درجاتها وأن لا تُبتذَل ولا تتحول الى تبادل بسيط في الأدوار بين القوى السياسية البرجوازية في السلطة؟ كيف يمكن إحباط المقاومة الحتمية البرجوازية لهذه الثورة؟ قبل أن تعود اللينينية في المرحلة الثورية الى "الاقتصاد"، تعود إلى الانتفاضة وضرورة استمرار النضال الراسخ من أجل الأهداف الثورية. الدولة الثورية هي شكل استمرار ذلك النضال من الأعلى وفي نفس الوقت الوسيلة المؤثرة لتوسيع نطاقه من الأسفل. والمرحلة الثورية هي مرحلة ممارسة القمع المنظم:

"في التحليل الأخير فإن قوة القمع فقط هي من يحسم القضايا المهمة للحرية السياسية والصراع الطبقي. ووظيفتنا هي أن نهيئ ونعد وننظم قوة القمع تلك. ليس فقط من أجل الدفاع، وبل وكذلك من أجل الهجوم بالشكل الصحيح. سلطة الرجعية السياسية الطويلة الأمد في أوروبا المستمرة تقريباً منذ أيام كومونة باريس وحتى الآن، جعلتنا نعتاد الى حد كبير على فكرة أن الممارسة يمكنها فقط أن تتقدم من "الأسفل". وهذا ما جعلنا نعتاد الى حد كبير على أن نرى فقط النضال الدفاعي، ونحن الآن نقف على أعتاب مرحلة جديدة. لقد بدأت مرحلة الاضطرابات والثورات. وفي مرحلة مثل ما تمر به روسيا الآن، ليس من المقبول البقاء في الأطر المحدودة للصيغ النمطية والشكلية السابقة. يجب أن ندعو "للعمل من الأعلى"، ويجب أن نتهيأ ونستعد لأكثر الأعمال الهجومية فعالية. وعلينا أن نحلل ظروف وأشكال مثل هذا العمل".
(خطتا الاشتراكية الديمقراطية...المجلد التاسع، ص٣١)

الجمهورية الثورية بالنسبة لنا هي مواصلة القمع الثوري عشية السقوط عن طريق إقامة حكومة ثورية مؤقتة. هذه الحكومة الثورية هي مسألة مصيرية. فإذا كان هناك شخص يمنح أهمية للديمقراطية السياسية من أجل تسهيل قضية النضال الاشتراكي، إذا كان هناك شخص يريد الثورة من أجل الديمقراطية، أو حتى إذا كان هناك شخص لديه عينان ويرى أنه حتى لو لم يقم هو بالثورة، ثمة طبقات وشرائح اجتماعية معينة بصدد القيام بالثورة من أجل الديمقراطية، حينذاك عليه الإجابة على مسألة ما الذي ستكون عليه نتيجة هذه الثورة بخصوص السلطة السياسية. وما الذي يجب على القوى الثورية القيام به عشية السقوط وفي خضم المقاومة البرجوازية الحتمية. نحن نقول يمكن، ويجب حتماً تشكيل دولة ثورية تمثل ممارسة إرادة الشرائح الثورية "من الأعلى". يجب الإمساك بالسلطة السياسية واستخدامها ضد الثورة المضادة المحبطة والتي مازالت حية وفعالة. وأي شخص يرى تناقضاً بين هذا الحكم وبين النظرية الماركسية عن الدولة، والأهمية الحاسمة للاقتصاد وغير ذلك، لا يفهم في الواقع أي شيء عن هذه الأمور. الدولة في المرحلة الثورية هي ظاهرة مؤقتة وفي مرحلة انتقالية وحالة من التحول والتغيير. تنبع من الثورة وتجيب على قضايا الثورة القائمة والفعلية. التناقضات الداخلية لهذه الدولة، مستقبلها وعملية زوالها أو اضمحلالها، استمرار الأزمة الثورية وغير ذلك، لا تقلل من الدور الواقعي والمادي الذي يمكن للدولة الثورية أن تلعبه في مرحلة معينة في الصراع الطبقي.

لقد كان تيارنا من أول التيارات التي أبرزت فكرة تناقض الرأسمالية والديمقراطية في إيران بشكل كامل وبالأدلة الواضحة بمثابة جزء من نقد الشعبوية المسيطرة على الحركة الشيوعية واستطاع القيام بدور مهم في تبديد أوهام اليسار الإيراني بهذا الخصوص. ولكننا في نفس الوقت وضعنا في برنامجنا إقامة دولة ثورية ديمقراطية. وقد أتضح الآن تماماً لماذا قمنا بهذا الأمر، لأننا لا ننظر الى الجمهورية الثورية بوصفها "بناءاً فوقياً سياسياً للاقتصاد الإيراني"، بل نعتبرها "دولة في مرحلة ثورية" عليها تنظيم ممارسة الكادحين القمع من الأعلى، من أجل قضية الديمقراطية. فإذا كانت الثورة من أجل الديمقراطية ممكنة، حينذاك لا تكون الدولة الثورية الديمقراطية ممكنة فقط، بل ومصيرية أيضاً. أما ما هي المدة التي يجعل فيها المسار التاريخي من الثورة نفسها والدولة الثورية "عتيقين" ويضع دكتاتورية البروليتاريا في جدول الأعمال الراهنة، فإنه أمر آخر. ومن دون شك أننا لا نضع الآن في جدول أعمالنا فقط النضال من أجل دكتاتورية البروليتاريا (الحكومة العمالية شعارنا)، بل وأننا سنكون، كما كان البلاشفة، أول من يعلن "قِدَم" الثورة والأهداف الثورية القديمة.

إن فهم خصائص وسمات الدولة في المراحل الثورية هو الشرط اللازم للتعامل الفعال والمتدخل في مسألة السلطة السياسية. اليسار الإيراني المعاصر وبرؤيته الميتافيزيقية والقدرية عن الدولة وعلاقتها بالاقتصاد، يفتقر على الأقل من الناحية النظرية لمثل هذه القدرة على التدخل النشط والفاعل.

   
الدولة في المراحل الثورية

الدولة البرجوازية في المرحلة الثورية
نموذج الجمهورية الإسلامية

ليس صعباً توضيح خصائص وممارسات الدولة البرجوازية في الظروف الاعتيادية. صعوبة المسألة حين يبدو أن الدولة البرجوازية قد وصلت الى السلطة في سياق عملية ثورية وباسم الثورة. وقد كانت الجمهورية الإسلامية في بداية الأمر نظاماً من هذا النوع. وقد أصابت ظاهرة الجمهورية الإسلامية قسماً عريضاً من قوى اليسار بالحيرة والإرباك من الناحية النظرية لفترة من الزمن. وبغض النظر عن أوهام الشعبويين القومية المتجذرة بخصوص "البرجوازية الوطنية والبرجوازية الصغيرة المناهضة للإمبريالية" وما يترتب على ذلك من رغبة أقسام من الاشتراكية البرجوازية الصغيرة بـ"المساندة المشروطة" وغير المشروطة للجمهورية الإسلامية، فإن نفس مكانة ودور هذا النظام طوال السنوات الأولى للثورة والعملية التي أسفرت عن قيام هذه الدولة، تضاف الى هذا الإرباك والاضطراب الفكري. إن تمكن البرجوازية ، خصوصاً بعد "مسيرات التاسوعاء"، من تحويل شعار الحكومة الإسلامية الى شعار جموع الجماهير الغفيرة، وواقع أن بعضاً من قادة النظام الجديد كانوا في السابق جزءاً من المعارضين الأشداء للنظام الملكي، وهجمة التيار الإسلامي على الاتجاه الليبرالي-الدستوري في الجبهة الوطنية، وشعارات النظام المعادية لأمريكا وقدرة الحكومة على تعبئة الجماهير في الأشهر الأولي للثورة، كانت جميعها عوامل جعلت اليسار الشعبوي عاجزاً عن فهم طابع الجمهورية البرجوازي والمناهض للثورة بالرغم من جميع الأسباب والوقائع المعروفة قبل الثورة فيما يتعلق بالمطالب والأهداف الرجعية للتيار الإسلامي وبالرغم من كل خطوات وممارسات النظام المكشوفة المعادية للثورة بعد قيامها. وكان يعتبر، الى فترات قريبة، إطلاق تسمية نظام برجوازي على الجمهورية الإسلامية نوعاً من "اليسارية" من وجهة نظر الشعبويين (وهذا ما تقوله الآن منظمة راه كاركر-طريق العامل). وقد ظهر منظرو الاشتراكية الشعبوية بفانوس "تعاليمهم" النظرية باحثين عن الجذور "الطبقية" لهذه الدولة في اقتصاد المجتمع والمصالح الاقتصادية للشرائح والفئات اللاعمالية. وما اكتشفته التيارات المختلفة حول الأساس والانتماء الطبقي لهذه الدولة اكتشاف ظاهري. حيث أن أساس هذا الاكتشاف هو الفهم القاصر والاقتصادي عن الدولة والعجز عن تشخيص أسس عمل الدولة البرجوازية في المراحل الثورية.

لقد سمينا حكومة الجمهورية الإسلامية منذ البداية أداة البرجوازية والإمبريالية. إذ كتبنا في (مقدمة لكراسة "اعتصام العمال في وزارة العمل") في آذار عام ١٩٧٩:

"الوقائع اليومية للثورة والصراع الطبقي توفر، يوماً بعد آخر، الأساس لنبذ الأوهام البرجوازية الصغيرة وثقة الكادحين الصامتة بالحكومة الحالية. وتتبلور هذه الثقة الصامتة التي تشكل المنبع الرئيسي لقدرة الرأسماليين في إجهاض الثورة الإيرانية. كل يوم يسأل العمال والكادحون أنفسهم هل الحكومة التي تمنع ارتقاء وتطور الحركة العمالية وتعبئة الجماهير الكادحة بقيادة الطبقة العاملة، هي حكومة وطنية وثورية؟ هل الحكومة التي ..تسلب الحريات، تخنق حرية التعبير، تقمع التجمعات وتعتبر الأحزاب والتنظيمات السياسية التي تنشط في صالح مصالح الطبقة العاملة أحزاباً وتنظيمات "متآمرة"، "متمردة" و"أكثر ملكية من الملك"، هي حكومة ثورية؟ هل الحكومة التي تطلق النار على مسيرات العمال العاطلين عن العمل العادلة في أصفهان ثم تدعي غياب السلطة هناك، هي حكومة ثورية؟ هل الحكومة التي تعتقل العمال الواعين، وتخلق الانقسامات القومية، الدينية، الجنسية، والعمرية وغيرها فيما بينهم كي تصبح عقبة أمام اتحادهم، هي حكومة ثورية؟ ..كلا، الحكومة الحالية ليست أبداً هيئة لثورة وانتفاضة الكادحين. الرسالة التاريخية للحكومة الحالية والتي هي في الحقيقة حكومة "مؤقتة" من منظار مصالح الإمبريالية الطويلة الأمد في إيران، هي إنقاذ الرأسمالية والإمبريالية من عاصفة ثورة جماهير إيران الكادحة والمناضلة". ص ٣-٤

"ولكن ما هي الوظائف والمهام التي تقع على عاتق العمال الواعين والطليعة الثورية للطبقة العاملة تجاه الوقائع الواردة أعلاه؟ إذا كانت الحكومة الحالية تعمل باتجاه مصالح الرأسمالية والرأسماليين، إذا كانت الحكومة الحالية حكومة مؤقتة وانتقالية تمهد الأرضية لعودة الرجعية الإمبريالية، إذن ستكون وظيفة العمال الثوريين هي التحرك باتجاه وضع الأسس لتلك التنظيمات التي تشكل هيئات سلطة العمال المستقلة والقادرة تعبئة وحشد العمال والجماهير الكادحة الغفيرة من أجل الدفاع عن مكتسبات الثورة والهزيمة النهائية للثورة المضادة ومقاومة الهجمة الأخيرة للثورة المضادة التي ستبدأ عاجلاً أو آجلاً بقيادة الرأسماليين ومشاركة الفئات المحافظة والشرائح البرجوازية الصغيرة وبتحريض من متخصصيها العسكريين والسياسيين الذين لن يدخرا وسعاً في إبادة وقتل الملايين". ص٥

ومع بداية إصدار نشرة بسوي سوسياليسم (نحو الاشتراكية) وضحنا الأسس النظرية لتحليلنا هذا للجمهورية الإسلامية في سلسلة مقالات "جناحان في الثورة المضادة البرجوازية-الإمبريالية". في تلك المقالات ومع التأكيد على الخصائص والسمات الأصلية لعمل الدولة البرجوازية في المراحل الثورية ومع ذكر خصائص وسمات الجمهورية الإسلامية تلك واحدةً واحدة وفوائدها للبرجوازية والإمبريالية، كررنا القول أن النظام الإسلامي هو حكومة برجوازية تحقق السياسة البرجوازية الإمبريالية وكل البرجوازية الإيرانية في مواجهة الثورة الإيرانية. وكان محور استنتاجنا واستدلالنا هو أن الثورة هي معضلة البرجوازية في المرحلة الثورية وليس الاقتصاد. وكانت إقامة "نظام ضد الثورة" سواء من الناحية التاريخية أو من الناحية التحليلية أمراً في صدر الأولويات بالنسبة للبرجوازية. الدولة البرجوازية "المبتغاة" في هذه المرحلة هي الدولة القادرة على الاستفادة من العناصر المادية والمصالح السياسية الموجودة في الأوضاع الثورية، خصوصاً بالأخذ بنظر الاعتبار تراجع أهمية وتأثير مؤسسات القمع والسيطرة التقليدية، من أجل الإجهاز على الثورة. وقد كانت الدولة البرجوازية-الملكية في إيران في حالة من الاضمحلال في الأعوام ١٩٧٨-١٩٧٩. إذ كان شبح الثورة يحوم على رأس البرجوازية. وفي هذه الأثناء كان التيار الليبرالي للجبهة الوطنية ونهظة الحرية أكثر التيارات نشاطاً في الوقوف بوجه الانتفاضة والمحافظة على مؤسسات القمع لدى الدولة الاعتيادية القائمة، أي الجيش والبيروقراطية. موقف الليبراليين هذا وقدراتهم المحتملة في جر معسكر الثورة الى المساومة بهذا النوع من المطالب الجزئية، ينسجم مع سياسات البرجوازية الإيرانية الكبيرة التي كانت في مسار تراجع تكتيكي مقابل أمواج الثورة. وكان الليبراليون يمثلون الى فترات معينة أكثر البدائل البرجوازية جدية وأكثرها "جدارة بالادخار" من أجل الحفاظ على الأوضاع القائمة والسلطة السياسية. وكان حكومة (شابور بختيار) آخر المحاولات البرجوازية للسيطرة على الأوضاع من خلال فرض التراجع على مواقف الليبرالية الملكية. وكان هذا التراجع التكتيكي البرجوازي من أجل تجاوز أمواج الثورة والاستعداد من أجل إعادة أوضاع ما قبل الثورة.

إلا أن الانتفاضة قلبت كل هذه الحسابات. والآن أصبحت المسألة تدور حول قمع الثورة التي وصلت عملياً لمرحلة الانتفاضة المسلحة، والتي أسكتت الجيش وجعلته عديم الأثر وسلحت الجماهير الثورية الغفيرة. ولهذا تخلف برنامج التيار الليبرالي السياسي وأساليبه وإمكاناته عن واقع المجتمع وحقائقه. ولم يكن بوسع الدولة البرجوازية سوى مواجهة الثورة الحقيقية باسم الثورة. وقد كان التيار الإسلامي العنصر المناسب لتشكيل مثل هذه الدولة، أي الدولة البرجوازية القادرة على تنظيم الثورة البرجوازية المضادة في تلك الفترة المعينة. إذ أكدنا نحن أن الجمهورية الإسلامية هي وسيلة إقامة نظام الثورة المضادة بمثابة الشرط السياسي الأولي لنظام الإنتاج البرجوازي المألوف. وقد كان الطابع البرجوازي التام للحكومة الإسلامية، بمعزل عن مسألة من أي قسم من أقسام المجتمع نبعت أيديولوجيتها، وأساليبها ونسيجها وتركيبتها، في أن هذه الحكومة هي الشكل الوحيد الممكن لتنظيم الثورة البرجوازية-الإمبريالية المضادة وبالتالي الشكل المطلوب لهذا التنظيم بالنسبة للبرجوازية منذ عام ١٩٧٩ وما تلاه.

ربما ينتقدنا البعض (وهم ينتقدوننا في الواقع) بالقول لماذا لم نلعن في ذلك الوقت بأن الجمهورية الإسلامية هي الممثل السياسي للبرجوازية الكبيرة والاحتكارية. وهذا هو في الواقع نفس الفهم الاقتصادي القاصر عن الدولة مع الاختلاف في أنه هذه المرة يقبل بالسمة البرجوازية للجمهورية الإسلامية ولهذا يريد إلقاء ما بيده. والواقع هو أن الجمهورية الإسلامية، كما كنا قد حللناه، لم تكن المنظمة السياسية والممثل التنظيمي للبرجوازية الكبيرة الإيرانية. بمعنى أن هذا النظام لم يكن في تلك الفترة وسيلة إظهار الوجود السياسي ومركز تلاقي وتمثيل أراء سياسيي هذه الطبقة ووسيلة تنظيم الرأسماليين. بل كانت الدولة "السياسية" لهذه الطبقة في المرحلة الثورية. وهذا بحد ذاته أوجد التناقض في مسار حركة الجمهورية الإسلامية. تحول الجمهورية الإسلامية الى نظام سياسي برجوازي اعتيادي، أي الى شكل اعتيادي تجعله البرجوازية على رأس السلطة السياسية من أجل الحفاظ على علاقاتها الإنتاجية، هو عملية معقدة وشاقة. وعجز الجمهورية الإسلامية في طي هذه العملية هو بحد ذاته أحد أبعاد الأزمة الحكومية اليوم في إيران. فبالدرجة التي يتجاوز فيها المجتمع الإيراني الأزمة الثورية وعليه يجب أن تقوم الدولة في مكانها المألوف وأن تعمل وفقاً للأساليب المتعارف عليها، تبتعد الجمهورية الإسلامية عن الأشكال العملية التي اتخذتها طوال الثورة وهذا ما يعمق من أزمة النظام السياسية. كذلك بالدرجة التي نرى فيها الأزمة الثورية في إيران تواصل استمرارها، بنفس الدرجة تضطر الجمهورية الإسلامية للعمل بالأساليب "غير المألوفة" والتي تخلق فجوة بين الدولة الرأسمالية والتوقعات العادية لنفس هذه الطبقة. في مثل هذه الأوضاع حللنا بشكل صحيح ومن خلال الوصف الديالكتيكي لحركة الجمهورية الإسلامية بوصفها "دولة البرجوازية في المرحلة الثورية"، خصائص وسمات هذا النظام وانتماءه الطبقي بوصفه نظاماً برجوازياً. الجمهورية الإسلامية هي ممثل ودولة البرجوازية في إيران، لأنها كانت ومازالت الشكل الحكومي الممكن لهذه البرجوازية في قلب ثورة ١٩٧٩ وغليان السنوات التي تلتها. ولكن إذا كان مقرراً إنهاء هذه الأزمة الثورية، وإذا لم تخلق الموجة الجديدة للنضال الجماهيري مرة أخرى أوضاعاً ثورية جديدة في إيران، حينذاك ستكون الجمهورية الإسلامية في شكلها القائم ضحية نفس تناقضها الداخلي. فإما يسقط النظام الإسلامي من خلال ثورة جديدة أو أنه سيتغير الى الحد الذي لا يمكن أن يكون قابلاً لتمييزه في حالة الانتهاء التام للأزمة الثورية والسياسية في إيران. ومن الواضح أن نفس النظام الإسلامي يتطلع لأن يتحول بأقل ما يمكن من التغييرات والتعديلات الى دولة البرجوازية الإيرانية المألوفة وجعل البرجوازية تتضامن سياسياً وتنظيمياً تماماً معه. إلا أن وجود أحزاب برجوازية عديدة في المعارضة المتطلعة لإسقاط هذه النظام، ومشاكل النظام الإسلامي في كسب دعم ومساندة الرأسمال الخاص والعلاقة المضطربة والحافلة بتجاوزات هذا النظام مع هذا القسم من الرأسمال، دليل على عدم وجود وحدة الكلمة هذه والقبول العملي والشامل بين أوساط البرجوازية الإيرانية حتى الآن. وإذا كان الخوف من الثورة والشيوعية يضطر, في كل الأحوال، جميع الشرائح البرجوازية الى مساندة النظام الإسلامي، فإن عجز النظام عن القيام بدور دولة برجوازية عادية, هو أساس الانقسام الحاد الموجود بين صفوف ممثلي البرجوازية الإيرانية السياسيين.

على أية حال وبمعزل عن مسألة إن كان النظام الإسلامي قادراً على التحول الى دولة عادية، أو إسقاطه من قبل الثورة، فإن عملية تحويل المجتمع من مجتمع مرحلة الثورة الى مجتمع اعتيادي قد بدأت منذ مدة طويلة. وقد أشرنا في القسم الأخير من مقالات "جناحان في الثورة ..." الى هذا المسار في أوضاع المجتمع الإيراني السياسية. وأحصينا مجموعة من التحولات والتغيرات التي تحققت بمبادرة الجمهورية الإسلامية وبدعم كافة شرائح البرجوازية من أجل إنهاء الأوضاع الثورية في إيران وتهيئة الأرضية من أجل إقامة دولة برجوازية اعتيادية. وإذا كان هناك أحد يتعقب دليلاً على برجوازية الجمهورية الإسلامية، ستكون واحدة من هذه النقاط الأساسية كافية بالنسبة له:

تقديس وإضفاء الشرعية على الملكية والاستغلال الرأسمالي الذين وقع أثناء الثورة تحت طائلة السؤال. لقد كان من اللازم أن تحظى الملكية بالشرعية. فما هو الأكثر طبيعية من أن تكون شرعية منذ البداية من خلال تحويلها الى ملكية الدولة التي تبدو ظاهرياً أنها ناجمة عن الثورة؟!

الانقضاض على المكتسبات الديمقراطية للثورة وإخضاع الجماهير للحرمان من الحقوق السياسية. وتخطئة وقمع الأهداف الديمقراطية للجماهير في تعريفها كمطالب "غربية" و"إمبريالية" وبالاستناد على الترهيب والتحميق الديني للجماهير. وأثناء عملية هجوم النظام على المكاسب الديمقراطية للثورة، استعادت البرجوازية بمثابة طبقة انسجامها وسلطتها السياسية.

إعادة بناء أجهزة القمعية الأساسية والاعتيادية، تصفية وإعادة بناء القوات المسلحة النظامية، الشرطة السياسية ومؤسسات البيروقراطية الحكومية.

إرغام الجماهير على القبول بمستويات المعيشة المتدنية والنتائج الكارثية للأزمة الاقتصادية. هذه الأزمة كانت تشكل في المرحلة السابقة نفس الأسس المادية للأزمة الثورية وقد ألقت أجنحة الجمهورية الإسلامية المختلفة عملياً تبعات ووطأة مصائب هذه الأزمة على كاهل العمال والكادحين.

تبرئة ذمة الإمبريالية والإمبرياليين، وتفريغ النضال ضد الإمبريالية من معانيه، وتبرير العلاقات الدبلوماسية، الاقتصادية والعسكرية للبرجوازية الحاكمة مع الدول الإمبريالية والرجعية العالمية.

القمع الواسع النطاق للحركة الشيوعية وقيادة الاحتجاجات الديمقراطية للشرائح اللاعمالية تحت راية المعارضة الليبرالية المؤدبة. كان ينبغي قمع الشيوعيين الذين بدأوا بالنضال العلني والواسع النطاق بمنتهى القسوة والعنف من أجل بعث الأوضاع السابقة، وفي نفس الوقت كان ذلك ضرورياً كي يجري فرض التراجع على الشرائح اللاعمالية التي ظهرت في المرحلة الثورية تحت راية الليبرالية الى مستوى شعارات معارضة ليبرالية.

هذه كانت جملة من الأوضاع التي سعت الجمهورية الإسلامية بوصفها دولة البرجوازية في المرحلة الثورية بجد من أجل تحقيقها. وكل هذه كانت توفر الأرضية لبعث أوضاع السلطة البرجوازية الاعتيادية وغير المتأزمة في المجتمع. وبالدرجة التي تتحقق فيها هذه الأوظاع كان المجتمع يتجاوز المرحلة الثورية وبالتالي كان على الدولة البرجوازية، بوصفها جزءاً من نفس هذه الأوضاع، أن تعود الى شكلها ومظهرها المألوف الاعتيادي. صعوبة إنجاز هذه العملية وطيها هي أحدى عوامل الأزمة بالنسبة للنظام الإسلامي. فإما أن تدفع موجة جديدة من النضال الثوري المجتمع الى مرحلة جديدة من تطوره السياسي بإسقاط الجمهورية الإسلامية، أو أن على الجمهورية الإسلامية أن تترك مكانها، سواء بتغيير شكها أو باستبدالها، لدولة ذات سمات وخصائص تنسجم وتتطابق مع إدارة مجتمع برجوازي غير متأزم. إن البرجوازية والجمهورية الإسلامية هما الآن بين فكي كماشة هذين المسارين الممكنين. فالنظام الإسلامي يقاوم ضغوط البرجوازية من أجل التغيير السلمي والتدريجي للحكومة الموجودة بحكومة اعتيادية. ومن جهة أخرى فإن أية محاولات من أجل الاستبدال والتغيير المفاجئ والقسري لهذه الحكومة من قبل البرجوازية سيعمق من الأزمة السياسية ويفسح المجال مجدداً لدخول الجماهير الغفيرة المتطلعة لإسقاط هذا النظام بالثورة الى الميدان. لا الأزمة الثورية على هذه الدرجة من الهدوء بحيث يصبح من السهل بالنسبة للبرجوازية تغيير الدولة الموجودة والتي اكتسبت أهميتها بالنسبة للطبقة البرجوازية من ضرورة تنظيم الثورة ا